رشان اوشي تكتب: أيام في سجن بورتسودان (٣)

وجوه خلف الأسوار ..أيام في سجن بورتسودان (٣)
حكايا السقوط في دهاليز “الآيس”
رشان أوشي

تختزل جدران سجن بورتسودان الرطبة، حيث يثقل الهواء الساخن الأنفاس وتنعدم مكيفات الهواء، ملامح أزمة اجتماعية واقتصادية صادمة، وتنكشف عورات المجتمع الذي طحنته الحرب، وأجهضت قيمه الأزمات المتلاحقة.

في اليوم الأول، وبعد إجراءات التفتيش الروتينية، دلفت إلى العنبر؛ وهو مبنى مستطيل تكدست فيه الأسرة المزدوجة، وأمامه صالة ممتدة افترشت أرضها سجينات لم يحالفهن حظ الحصول على سرير. هناك، في “الحوش” الداخلي، كانت تجلس خمس فتيات لم يبلغن العشرين بعد، يرتشفن القهوة في محاولة لسرقة لحظة أنس وسط هذا البؤس.

استأذنتهن في الجلوس، فانهمرت الأسئلة الفضولية. “قضيتك شنو؟”، سألتني إحداهن. وحين أجبت: “أنا صحفية، تمت إدانتي بسبب مقال”، انطلقت ضحكات هستيرية مستفزة، وقالت إحداهن بتهكم: “كيف يعني؟ ديل ناس ما عندهم موضوع ولا شنو؟!”. لم أجد بداً من مبادلتها السؤال: “وأنتِ محكومة بشنو؟”، فجاء الرد صادم وبارد: “المادة (٢٠/أ).. تعاطي المخدرات”.
هؤلاء الصبايا، اللواتي لا تتجاوز أكبرهن الرابعة والعشرين، يحملن وجوه جميلة وتعامل مهذب لا يشبه قسوة المكان. فتيات في عمر الزهور، قادمات من مدن شتى، كنّ يوماً يملأن مقاعد المدارس الثانوية وقاعات الجامعات بأحلام عريضة، لكن إعصار النزوح والتشرد قذفهن في بحر بورتسودان المتلاطم. بلا مؤهلات، وتحت وطأة الفقر والحاجة لإعالة أسر مكلومة، وجدن أنفسهن يعملن كنادلات في كافيهات المدينة، ومن تلك النقطة المفصلية، بدأت رحلة الانزلاق إلى الهاوية.

في الليالي الطويلة، كنا نقاوم الملل بالأنس، بينما أحاول فهم هذا العالم المثير للاستغراب. ما الذي يجمع أكثر من ثلاثين فتاة من بيئات وطبقات اجتماعية متباينة في هذا السجن الموحش؟ بمرور الأيام وتدفق الاعترافات، انقشع الضباب عن الحقيقة المرة: شبكات منظمة يقودها عناصر من بعض الحركات المسلحة وعصابات أخرى، اتخذوا من ترويج مخدر “الآيس” وعقار “نيرفاكس” تجارة مربحة، مستهدفين المراهقين واليافعين بلا رحمة.

في مساء أحد الأيام، وأنا أشاركهن القهوة، لفت انتباهي زرقة داكنة في مفصل يد إحداهن، لمستها فإذا بها متخشبة ومتحجرة، سألتها: “ما هذا؟”، فأجابتني ببرود: “جرعة الآيس تترك ندبة دائمة في مكان الحقن”. ذهلت، وتساءلت كيف لفتيات معدمات أن يوفرن ثمن جرام من المخدر يبلغ ثمانين ألف جنيه يومياً؟ فباغتتني قائلة: “ممكن تاخدي الجرعة ب(درون) عادي”.
“الدرون”.. مصطلح صادم في قاموس السقوط، يعني ببساطة: “المخدرات مقابل الجنس” ،معظم هؤلاء الفتيات يقعن في فخ علاقات جنسية مع صغار المروجين للحصول على الجرعة التي تخرجهن من واقع يرفضنه.

أمام هذه الحقائق العارية، شعرت بمرارة أن المجتمع السوداني الذي نتغنى بقيمه ليس سوى قناع تختبئ خلفه كارثة حقيقية؛ فوضى عارمة تضرب بأطنابها في كل مكان، وأزمة اقتصادية طاحنة لم تكتف بإفقار الجيوب، بل أجهضت القيم وقضت على الأخلاق. فتيات صغيرات اضطررن لبيع أجسادهن للحصول على حقنة أو حبة، فقط ليقوين على مجابهة الظروف البائسة والوحشية التي أفرزتها الحرب اللعينة.

علاوة على ذلك، يفتقر السجن إلى مصحة أو وحدة متخصصة لعلاج الإدمان؛ حيث يُترك المدمنون يواجهون الأعراض الانسحابية القاسية بمفردهم، حتى يتعافى الجسم من تلقاء نفسه تحت وطأة الألم الشديد.

على الدولة أن تدرك أن حربها ضد عصابات تجارة المخدرات لا تقل أهمية عن حربها ضد “الجنجويد”، فلا مجال للمجاملات اليوم، ولا يمكن للتحالفات السياسية والتوازنات المتهالكة أن تُوضع فوق مصلحة المجتمع. إن الحفاظ على ما تبقى من منظومة القيم السودانية هو المعركة الحقيقية، وإلا فإننا نتحرك بخطى حثيثة نحو انهيار شامل لن ينفع معه الندم.
محبتي واحترامي.

سودافاكس

Exit mobile version