مطار أتلانتا الدولي .. لماذا يتصدر العالم و ما الذي يجب أن يتعلمه السودان؟

حين يتحدث خبراء الطيران عن أفضل مطارات العالم، فإنهم لا يقصدون أجمل المباني أو أفخم صالات السفر، وإنما يتحدثون عن الكفاءة التشغيلية، و القدرة على إدارة ملايين المسافرين و آلاف الرحلات بأعلى درجات السلامة والانسيابية. ولهذا ظل مطار هارتسفيلد–جاكسون أتلانتا الدولي يحتفظ بمكانته كأكثر مطارات العالم ازدحاماً، ليس بالصدفة، وإنما نتيجة عقود من التخطيط و الاستثمار في التكنولوجيا والإدارة.
في عام 2024 استقبل المطار 108.1 مليون مسافر، أي بمعدل يزيد على 9 ملايين مسافر شهرياً، وأكثر من 2.07 مليون مسافر أسبوعياً، و ما يقارب 296 ألف مسافر يومياً.

أما حركة الطائرات فقد بلغت 796,224 رحلة إقلاع وهبوط خلال العام، أي أكثر من 2,180 حركة يومياً، وبمتوسط يقارب 91 حركة في الساعة على مدار الأربع والعشرين ساعة. وخلال ساعات الذروة ترتفع القدرة التشغيلية إلى أكثر من 200 حركة في الساعة بفضل منظومة إدارة الحركة الجوية، والتوزيع الذكي للحركة على خمسة مدارج متوازية تعمل في وقت واحد.

العدالة المؤجلة .. لماذا لا يزال موظفو شركة مطارات السودان خارج معادلة الإصلاح ؟!

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعني أن المطار يدير في كل ساعة ما يعادل حركة يوم كامل في العديد من مطارات العالم، دون أن تتأثر مستويات السلامة أو تنخفض جودة الخدمة.
و لكن سر أتلانتا الحقيقي لا يظهر على سطح الأرض، بل تحتها.
فأسفل مباني الركاب توجد مدينة هندسية متكاملة تعمل بصمت على مدار الساعة.

تمتد شبكة ضخمة من سيور نقل الأمتعة التي تنقل مئات الآلاف من الحقائب يومياً بصورة آلية بين الطائرات وصالات الوصول والمغادرة والرحلات المحولة (Transit)، مع أنظمة تتبع إلكترونية تقلل بصورة كبيرة من فقدان أو تأخير الأمتعة، وتتيح تحويل الحقائب بين الرحلات خلال دقائق معدودة.

أما تنقل الركاب داخل المطار، فيتم عبر قطار كهربائي آلي يعرف باسم Plane Train، يعمل داخل نفق تحت الأرض ويربط جميع مباني الركاب والكونكورس المختلفة. وينقل هذا النظام أكثر من 200 ألف راكب يومياً، ويتحرك بفاصل زمني لا يتجاوز دقيقتين، بما يسمح للمسافر بالانتقال بين أبعد بوابتين في دقائق معدودة دون الحاجة إلى الحافلات أو السير لمسافات طويلة.

و من أكثر الأنظمة الهندسية إبهاراً في المطار شبكة الوقود المركزية. فبدلاً من الاعتماد على مئات صهاريج الوقود التي تتحرك في ساحة الطائرات، يعتمد مطار أتلانتا على شبكة أنابيب مدفونة تحت الأرض يبلغ طولها نحو 23 ميلاً (37 كيلومتراً)، تنقل ما يقارب 3 ملايين جالون من وقود الطائرات يومياً، أي ما يعادل حوالي 11.4 مليون لتر يومياً، لتصل مباشرة إلى جميع البوابات ومواقف الطائرات. وهذا النظام يرفع مستوى السلامة، ويقلل زمن خدمة الطائرات، ويحد من الازدحام داخل الساحات، ويخفض التكاليف التشغيلية.
إن هذه المنظومة المتكاملة تؤكد أن المطار الحديث ليس مجرد مدرجات و صالات سفر، بل هو مدينة ذكية تعتمد على الأتمتة و الرقمنة و التكامل بين جميع الأنظمة التشغيلية.

ماذا يعني ذلك بالنسبة للسودان؟

إن إعادة إعمار مطار الخرطوم تمثل فرصة تاريخية لا ينبغي أن تضيع في إعادة إنتاج نموذج الستينيات أو السبعينيات. فإذا كان السودان سيستثمر مليارات الدولارات في إنشاء مطار جديد، فمن غير المنطقي أن يكتفي ببناء مدرجات وصالات حديثة، ثم يعتمد على أساليب تشغيل تقليدية.
يجب أن يكون مطار الخرطوم الجديد مشروعاً للمستقبل، لا مشروعاً لتعويض الماضي.
و لهذا ينبغي أن يتضمن التصميم منذ اليوم الأول:

و لا ينبغي أن يتوقف الطموح عند حدود المطار، بل يجب أن يمتد إلى إنشاء مركز وطني ذكي لإدارة المجال الجوي السوداني، بحيث يرتبط المطار ومنظومة الملاحة الجوية والرادارات والاتصالات والأرصاد الجوية ومنظومات الأمن والسلامة في شبكة رقمية واحدة، قادرة على إدارة الحركة الجوية بكفاءة تضاهي أفضل المراكز العالمية.

لقد أثبتت التجربة أن المطارات الناجحة لا تبنى بالإسمنت وحده، وإنما تبنى بالمعرفة، وبالتكنولوجيا، وبالإدارة الاحترافية. وما حققته أتلانتا لم يكن نتيجة ضخامة الإنفاق فقط، بل نتيجة رؤية استراتيجية استثمرت في الإنسان، وفي الأنظمة الذكية، وفي التخطيط طويل المدى.
إن السودان، وهو يقف على أعتاب إعادة بناء بنيته التحتية بعد الحرب، يملك فرصة نادرة للانتقال مباشرة إلى الجيل الجديد من المطارات الذكية، بدلاً من المرور بالمراحل التي استغرقت الدول المتقدمة عقوداً للوصول إليها.
إن المستقبل لن يكون للمطار الأكبر مساحة، بل للمطار الأكثر ذكاءً و كفاءة و إذا أحسن السودان استغلال هذه الفرصة، فإن مطار الخرطوم الجديد يمكن أن يصبح بوابة جوية حديثة تربط إفريقيا بالعالم، و رمزاً لنهضة وطن اختار أن يبني المستقبل بدلاً من أن يكرر الماضي.

طيران بلدنا

Exit mobile version