لم تكن الورشة التشاورية التي نظمتها المفوضية القومية لحقوق الإنسان، يوم أمس الأحد، بفندق السلام روتانا، اجتماعاً فنياً راتباً لمراجعة تقرير سيرفع إلى آلية الاستعراض الدوري الشامل التابعة لمجلس حقوق الإنسان؛ لكنها بدت أقرب إلى منصة وطنية لاستعراض واحدة من أكثر صفحات السودان قسوة، حيث اجتمعت الأرقام و الشهادات و الوقائع لترسم صورة واسعة لما خلفته الحرب من آثار على الإنسان و الدولة و المؤسسات و الإرث الحضاري.
فالوثائق التي عُرضت لم تتناول انتهاكات متفرقة أو خسائر محدودة، و إنما قدمت سرداً موثقاً لدمار أصاب قطاعات حيوية، و امتد إلى المرافق الخدمية، المؤسسات العدلية، المنشآت الاقتصادية، البعثات الدبلوماسية، و المواقع الأثرية، في وقت تسعى فيه البلاد إلى إيصال روايتها المدعومة بالبيانات و الوقائع إلى المجتمع الدولي.
و خلال الورشة، استعرض المهندس كمال الدين دندراوي عضو المفوضية التقرير الذي أعدته المفوضية، موضحاً أن عمليات التدمير شملت الطرق و الجسور و المطارات و محطات الكهرباء و الاتصالات و البنوك و الوزارات، إضافة إلى مخازن المساعدات الإنسانية، و مقار الشرطة، و مؤسسات العدالة، بما يعكس اتساع رقعة الأضرار التي طالت ركائز الدولة و الخدمات الأساسية.
السودان يعلن الحداد الرسمي اليوم لرحيل الأمير الوالد حمد بن خليفة
و في قطاع الطيران، على سبيل المثال لا الحصر كشف التقرير عن تدمير ثمانية مطارات، وتضرر خمسين طائرة، و إصابة سبعين مبنى داخل المطارات، إلى جانب توثيق الاعتداء على طائرة سعودية قبيل إقلاعها، في مؤشر على حجم الأضرار التي لحقت بقطاع النقل الجوي كأحد الركائز الاقتصادية في البلاد.
و لم تتوقف الخسائر عند حدود المنشآت الخدمية، بل امتدت ـ وفق التقرير ـ إلى الذاكرة الوطنية و التراث الإنساني، إذ أثبت التقرير تعرض سبع عشرة بعثة دبلوماسية لاعتداءات مباشرة، من بينها السفارات الأمريكية ,التركية و الروسية، كما رصد تدمير المتحف القومي، و نهب مقتنيات أثرية تعود إلى آلاف السنين، و فقدان محتويات دار الوثائق القومية، و هي خسائر تمس التاريخ و الثقافة بقدر ما تمس مؤسسات الدولة.
و.في الجانب الإنساني، أشار التقرير إلى توقف نحو ثلاثة آلاف منظمة عن العمل، كما وثق الاعتداءات على المساجد و الكنائس، إلى جانب ما تعرض له المدنيون بمختلف فئاتهم، بمن فيهم النساء والأطفال و كبار السن و ذوي الإعاقة، فضلاً عن الأضرار التي أصابت المؤسسات الصحية والخدمية.
و في محور العدالة، قدم ممثل رئيس القضاء، مولانا عثمان عمر جبرة، عرضاً كشف فيه عن استمرار عمل السلطة القضائية رغم ظروف الحرب، مؤكداً أن القضاء السوداني، بما يمتلكه من إرث مؤسسي يمتد لأكثر من مائة عام، ظل يؤدي واجبه وفق القانون و بمهنية و استقلال.
و أوضح أن المحاكم أصدرت (1145) حكماً في قضايا المتعاونين، منها (426) حكماً بالبراءة أو شطب الدعوى، فيما توزعت بقية الأحكام على ولايات البلاد، مشدداً على أن جميع المتقاضين يتمتعون بحقوقهم القانونية، و أن العدالة تظل متاحة لكل من يلجأ إلى القضاء.
كما أعلن أن النيابة العامة باشرت منذ اندلاع الحرب (149.860) دعوى جنائية، منها (21.787) دعوى لا تزال قيد التحري، بينما أُحيلت (10.017) دعوى إلى المحاكم، مؤكداً أن إجراءات التقاضي و المحاكمات جرت وفق القوانين الوطنية و المعايير الدولية لحقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني.
الدكتور أحمد المفتي الخبير القانوني ومدير مركز الخرطوم لحقوق الإنسان اشار إلى ان للتقرير بعداً آخر، اذ أن التقرير أغفل حماية المدنيين والتي وفرتها القوات المسلحة خاصة بعد تحرير المدن و الاعيان التي كانت تسيطر عليها المليشيا.
و استمعت الورشة الى آراء بعض المكونات المدنية التي أبدت رفضاً صريحاً لتناول التقرير جملة نزاع بين طرفين مؤكدين أنه طرف واحد تمرد على الدولة و هي المليشيا المتمردة، حيث خاطب الورشة ممثل أصحاب العمل و نقيب المحاميين السودانيين و ممثل وزارة الرعاية و الموارد البشرية و ممثل منتجي الصمغ العربي وقد أثرت مداخلاتهم الورشة و وجدت قبولاً من المشاركين.
و خلصت الورشة إلى توصيات من بينها دعت إلى إجراء تحقيقات مستقلة بشأن الانتهاكات، و محاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب حشد الدعم الدولي لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، و توفير الظروف اللازمة لعودة النازحين إلى مناطقهم بصورة آمنة وكريمة.
و بين أرقام الدمار، و إحصاءات العدالة، و توصيات الإصلاح، حملت الورشة رسالة مفادها أن توثيق الوقائع ليس استدعاءً للماضي بقدر ما هو تأسيس لمسار العدالة، و أن حماية حقوق الإنسان تبدأ بحفظ الحقيقة، لأن الأوطان لا تُبنى بالنسيان، و إنما بالاعتراف بالوقائع، و سيادة القانون، و صون كرامة الإنسان.
سونا
