الفرق بين “الموافقة” و”الإطار العام”.. تفاصيل مقترح بولس للسودان

جدل حول موافقة الخرطوم على مقترح بولس لإنهاء الحرب في السودان

أثار الجدل حول ما إذا كانت الحكومة السودانية قد وافقت فعليًا على مقترح التسوية الذي قدمه مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس لإنهاء الحرب في السودان، نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية، خاصة بعد تصريحات مبعوث الخرطوم لدى الأمم المتحدة السفير الحارث إدريس، تلاها إعلان بولس استمرار الاهتمام الأمريكي بملف الحرب السودانية، وإبداءه استعداده لزيارة الخرطوم قريبًا.

عطاف محمد: لقاء كباشي ومسعد بولس.. جزر معزولة أم لعبة مصالح شخصية؟

مستشار ترامب: مقترحات لحل الأزمة السودانية قوبلت بالرفض

قبول بالإطار العام لا موافقة كاملة

أوضح الباحث والمدير التنفيذي لمركز “فوكس” بالسويد، الدكتور عبد الناصر سلم، أن موافقة الحكومة السودانية على المقترح الأمريكي، رغم تشابهه إلى حد كبير مع مبادرات سابقة قدمتها اللجنة الرباعية، لا تعني بالضرورة حدوث تحول جذري في مواقف الخرطوم، بل تعكس تغيرًا في أسلوب إدارة التفاوض وقراءة البيئة السياسية والعسكرية المحيطة بالحرب.
وشدد سلم على ضرورة التمييز بين القول إن “الحكومة وافقت على المقترح”، وبين القول إنها “وافقت على الإطار العام له”، موضحًا أن الحكومة قبلت معظم البنود، لكنها تمسكت بتعديل البند المتعلق بإعادة الانتشار العسكري، معتبرًا أن هذا البند ليس هامشيًا، بل يمثل أحد أهم عناصر تنفيذ أي اتفاق مستقبلي. فبينما نص المقترح الأمريكي على إعطاء أولوية الانسحاب لولايتي شمال دارفور وشمال كردفان وفق آلية أممية، طالبت الخرطوم بأن يشمل الانسحاب جميع المناطق التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع، وليس منطقتين بعينهما فقط.

شرط أساسي لم يتغير منذ مفاوضات جدة

أكد سلم أن الحكومة لم تتراجع عن شرطها الأساسي الذي كررته منذ مفاوضات جدة، وهو أن يسبق أي عملية سياسية أو وقف دائم لإطلاق النار انسحابٌ كامل لقوات الدعم السريع من المدن والمرافق المدنية، مضيفًا أن ما تغير ليس جوهر الموقف، وإنما طريقة التعامل مع المبادرة الأمريكية، حيث اختارت الخرطوم الدخول في مسار تفاوضي بدلًا من الرفض المبدئي، سعيًا لتعديل البنود التي تراها مؤثرة في جوهر التسوية.
وربط سلم هذا التحول بتغير الظروف السياسية والدبلوماسية بعد أكثر من عامين من الحرب، إذ باتت تكلفة استمرار القتال مرتفعة على جميع الأطراف، مع تصاعد الضغوط الدولية لوقف الحرب واحتواء الكارثة الإنسانية، وهو ما دفع الخرطوم لتفضيل الانخراط في المبادرة الأمريكية على الاستمرار في سياسة الرفض.

أبرز بنود المقترح الأمريكي الأمنية والسياسية والاقتصادية

يتضمن المقترح الأمريكي في جانبه الأمني:

أما في الجانب السياسي، فيشمل المقترح الحفاظ على جيش وطني موحد يخضع لحكومة مدنية، والشروع في الانتقال إلى سلطة مدنية وفق عملية مملوكة للسودانيين، إلى جانب إنهاء الدعم العسكري الأجنبي ووجود المقاتلين الأجانب. وفي الجانب الاقتصادي، ينص المقترح على إنشاء صندوق لإعادة الإعمار وإعداد خطط للدعم الاقتصادي.
ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الحكومة السودانية أو من مليشيا الدعم السريع على تفاصيل المقترح، في ظل استمرار الحرب في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، والتي أودت بحياة عشرات الآلاف وتسببت في نزوح ملايين السودانيين.

مكسب سياسي للحكومة وسط تحفظات إسلامية

يرى سلم أن قبول الحكومة بالمبادرة يحقق لها مكسبًا سياسيًا مهمًا، يتمثل في نقل عبء تعطيل العملية السياسية إلى الطرف الآخر، إذ تستطيع من خلال الموافقة على الإطار العام – مع التمسك بتعديل بند واحد تعتبره جوهريًا – أن تقدم نفسها للمجتمع الدولي كطرف منفتح على التسوية، مع الإبقاء على مطلبها الأساسي باستعادة سيطرة الدولة على المدن قبل أي ترتيبات سياسية أو أمنية.
ولفت إلى أن عدم اعتراض الحكومة على البند الخاص بإبعاد الجماعات المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين من العملية السياسية لا ينبغي تفسيره كتغير في علاقتها بالقوى الإسلامية، خاصة أن صياغة البند نفسها تحتمل أكثر من تفسير قانوني وسياسي.
من جانبه، اعتبر سلم أن موافقة الحكومة على المقترح لا تعكس تحولًا في رؤيتها للحرب بقدر ما تعكس تحولًا تكتيكيًا في أسلوب إدارة التفاوض، مؤكدًا أن الخرطوم لم تتخل عن شرطها الرئيسي المتعلق بانسحاب الدعم السريع من المدن، بل اختارت خوض المعركة السياسية من داخل مسار التفاوض بدلًا من البقاء خارجه.

رأي مخالف: المقترح لا يختلف عن مقررات منبر جدة

في المقابل، رأى القيادي الإسلامي والكاتب الصحفي د. ربيع عبد العاطي أن المقترح الأمريكي، رغم قدومه من جهة أجنبية، لا يختلف في جوهره عن مقررات منبر “جدة” الذي نص على الانسحاب الكامل من المدن، معتبرًا ذلك رغبة وطنية خالصة لا علاقة لها بمسعد بولس. أما بخصوص ما تضمنه المقترح من إبعاد لجماعات الإخوان المسلمين وواجهاتهم، فقد أكد عبد العاطي أن هذا التصنيف يظل اختصاصًا حصريًا للمحكمة الدستورية السودانية بشأن قانونية التنظيمات، وما يثبت بحقها من ممارسة الإرهاب أو ارتكاب الجرائم، معتبرًا أنه اختصاص “قانوني صرف وسوداني محض” لا يحق لأي طرف خارجي الحكم فيه.

Exit mobile version