يوميات مراقب جوي تحت التمرين “1”…ليلة عبرت فيها طائرة ألمانية المجال الجوي السوداني رغم أوامر العودة

يوميات مراقب جوي تحت التمرين “1”…ليلة عبرت فيها طائرة ألمانية المجال الجوي السوداني رغم أوامر العودة
“من طيران بلدنا”
(كل إنسان يختزن في ذاكرته من مسيرته المهنية مواقف لا يمكن أن تُنسى، لأنها تحمل أحداثاً كان لها أثرها، وتكشف جوانب خفية وأسراراً لا يعرفها إلا من عاش تفاصيلها.وفي هذه الحلقات التي يكتبها مدير سلطة الطيران المدني الأستاذ إبراهيم عدلان، يعود بنا إلى فترة عمله مراقباً جوياً، ليسرد في قالب خفيف وممتع صفحات من كواليس مهنة الطيران، ويحكي تفاصيل ظلت حبيسة الذاكرة لسنوات طويلة.إنها بداية لتوثيق مهم لتجارب رجل عايش سماء السودان من داخل أبراج المراقبة، وشهد مواقف صنعت جزءاً من تاريخ الطيران.

الكشف عن حجم خسائر إغلاق المجال الجوي السوداني

إعادة فتح المجال الجوي السوداني: بين منطق الإغلاق ومنهج إدارة المخاطر
نترككم مع الحلقة الأولى من هذه السلسلة الممتعة التي خطّها يراع أستاذنا إبراهيم عدلان) :-
هذه ليست رواية، وإنما صفحة من صفحات عملي مراقبًا جويًا في مطار الخرطوم ولكني ليلة الواقعة كنت اجلس في مقاعد المساعد الفني، حيث كنت لازلت تحت التدريب في زمن لم تكن فيه شاشات رادار مضيئة ولا أنظمة عرض إلكترونية كما يعرفها الجيل الحالي.
كنا نقدم المراقبة الجوية الإجرائية (Procedural Air Traffic Control)، نعتمد على أجهزة الاتصال اللاسلكي، وساعات الحائط، وأقلام الرصاص، وديسكٍ خشبي قديم أكل عليه الدهر وشرب.
كانت Flight Progress Strips هي عالمنا كله. قصاصات ورقية صغيرة تحمل بيانات كل رحلة، لكنها بالنسبة لنا كانت تمثل الطائرات نفسها وهي تشق طريقها في السماء. نرتبها أمامنا بعناية، ونسجل عليها كل تغيير في الزمن أو الارتفاع أو المسار، فنرسم في أذهاننا صورة كاملة للمجال الجوي دون أن نرى طائرة واحدة على شاشة.
في تلك الليلة كنا قد اخترنا اللون الوردي (البمبي) لتمييز الطائرات المتجهة جنوبًا، وهو تقليد كان يسهل علينا التعرف على اتجاهات الحركة بمجرد النظر إلى الاستربات.
وفجأة انطلق صوت جهاز HF معلنًا رسالة الترانسفير القادمة من القاهرة:
German Cargo 7740
EDDF/HKNA
EST SML 2143
FL330
ناولني مراقب الديسك بيانات الرحلة لإعداد الـ Flight Progress Strip، وفي الوقت نفسه مراجعة ملف النقل الجوي للتأكد من وجود Overflight Permit.
كانت شركة German Cargo من العملاء الأسبوعيين الذين يعبرون أجواء السودان بانتظام، لكن شيئًا استوقفني منذ اللحظة الأولى.
جميع رحلات الشركة التي اعتدنا عليها كانت تحمل ثلاثة أرقام في رمز الرحلة، أما هذه الرحلة فجاءت بأربعة أرقام، وهو ما كان يعني غالبًا أنها رحلة إضافية أو رحلة خاصة، وبالتالي يفترض أن يكون لها تصريح عبور مستقل.
أعددت الاسترب بسرعة، ثم بدأت أراجع ملفات تصاريح العبور.
بحثت مرة…
ثم مرة أخرى…
ثم ثالثة…
لكن التصريح لم يكن موجودًا.
رفعت سماعة الهاتف واتصلت بضابط النقل الجوي المناوب.
سألته إن كان تصريح هذه الرحلة قد وصل إليه ولم يدرج بعد في الملف.
جاء الرد بالنفي.
لا يوجد أي تصريح عبور.
أبلغت مراقب القطاع فورًا بعدم وجود Overflight Permit للطائرة.
ولأن الشركة كانت من الشركات المعروفة لدينا، قرر المراقب استكمال البيانات مباشرة من قائد الطائرة بمجرد دخولها مدى الاتصال على موجة VHF.
كانت الأسئلة المعتادة:
* Point of Origin
* Nature of Load
* Final Destination
انتظرنا حتى وصلت الطائرة إلى نقطة كساب، أول نقطة يمكن فيها الاتصال بالطائرات القادمة من الشمال.
فتح المراقب الاتصال.
جاء صوت القبطان هادئًا وواضحًا.
سأله عن نقطة بداية الرحلة.
أجاب بأن الطائرة قادمة من تل أبيب، ثم أوضح أن الطاقم نفسه بدأ رحلته من فرانكفورت.
ثم جاء السؤال التالي:
Nature of Load?
ساد صمت قصير، وكأن القبطان يراجع مستندات الشحنة.
ثم أجاب بكل هدوء:
Nature of load is military.
كانت تلك هي كل الإجابة.
لم يحدد نوع الحمولة، ولم يضف كلمة أخرى.
في تلك اللحظة أصبح أمامنا أمران واضحان:
طائرة لا يظهر لها تصريح عبور.
وقائدها يقر بأن حمولتها ذات طبيعة عسكرية.
رفع مراقب القطاع الأمر فورًا إلى الجهات المختصة، ثم أصدر تعليماته إلى قائد الطائرة عبر اللاسلكي:
German Cargo 7740, you are not permitted to overfly Khartoum FIR. You must return to your original point of departure. Otherwise, you may be intercepted and forced to land at Khartoum.
وفي الوقت نفسه تم إخطار ضابط العمليات المناوب في مطار وادي سيدنا العسكري بما يجري، حتى يكون على علم بالموقف ويتخذ ما تقتضيه الإجراءات العسكرية المختصة.
ساد التوتر داخل غرفة المراقبة.
كنا نترقب رد قائد الطائرة.
لكنه لم يناقش القرار، ولم يطلب إعادة التعليمات، ولم يعلن استعداده للعودة.
أغلق جهاز الاتصال.
واستمر في الطيران جنوبًا.
بعدها بدأ يستخدم تردد الطوارئ الدولي 121.5 MHz، وهو التردد الذي تستمع إليه معظم الطائرات العابرة، يعلن من خلاله موقعه على فترات، حتى أصبحت الطائرات الموجودة في المنطقة تعلم مكانه وتحركاته.
أما نحن، فكنا نتابع تقدمه بالطريقة الوحيدة المتاحة لنا آنذاك.
لا شاشة…
ولا رادار…
ولا أي وسيلة إلكترونية.
فقط استربات ورقية، وساعة حائط، وأجهزة اتصال، وخبرة سنوات طويلة.
كانت أعيننا تنتقل بين الاستربات وأجهزة اللاسلكي، بينما ننتظر ما كنا نظن أنه سيحدث.
كنا نتوقع وصول الطائرات المقاتلة لاعتراضه إذا صدر القرار بذلك.
لكن شيئًا لم يحدث.
واصلت الطائرة رحلتها.
حتى وصلت إلى نقطة لودوار (Lodwar)، الفاصلة بين منطقة مسؤولية الخرطوم ومنطقة مسؤولية نيروبي.
ومن هناك أعلن قائدها عبر جهاز HF مغادرته مجال الخرطوم ودخوله المجال الجوي الكيني.
وهكذا انتهت الواقعة.
غادرت الطائرة الأجواء السودانية رغم أوامر العودة، بينما بقيت تلك الليلة واحدة من أكثر المناوبات رسوخًا في ذاكرتي المهنية.
ومرت السنوات…
وتغيرت الوجوه…
وتقاعد العسكريون…
وتقاعد المدنيون…
وكان من غرائب الأقدار أن ضابط العمليات العسكري المناوب في تلك الليلة شغل لاحقًا أحد أرفع المناصب في الطيران المدني السوداني بعد انتقاله إلى العمل المدني.
وكلما عدت بذاكرتي إلى تلك المناوبة، تذكرت الديسك الخشبي القديم، والاستربات الوردية، وصوت جهاز الـHF، والجملة القصيرة التي قالها قائد الطائرة:
Nature of load is military.
كانت ثلاث كلمات فقط…
لكنها كانت كافية لأن تجعل مناوبة كاملة تتحول إلى قصة لا تزال حاضرة في الذاكرة بعد كل هذه السنين.

Exit mobile version