مديونيات شركات الطيران..إذا أخذت الدولة فعليها أن تعطي (2)

كتبت قبل عدة أيام مقالاً بعنوان “مديونيات شركات الطيران.. إذا أخذت الدولة فعليها أن تُعطي”، نُشر حصرياً على منصة سماء السودان و منصة طيران بلدنا، و من هذا المنطلق، لا بد أن أتقدم بالشكر و التقدير للأستاذ مصطفى ساردية، المدير العام لمنصة سماء السودان، و للأخ الأكبر و الصديق صديق رمضان، رئيس تحرير مجلة طيران بلدنا، لما يقدمانه من عمل إعلامي مهني و متخصص في قطاع بالغ الأهمية، و في توقيت يستحق فيه كل من يعمل باحتراف في هذا المجال الدعم و الإسناد.
أثار المقال ردود أفعال متباينة ،فمنهم من اتفق مع ما طرحته، و منهم من اختلف، و منهم من ناقش الفكرة بمهنية و احترام، و آخرون لجأوا إلى السخرية و إطلاق الاتهامات.. لكن كما يقول أهلنا .. “العديل رأي، و الأعوج برضو رأي”

إحباط محاولة تهريب بمطار بورتسودان..مراقبة أمن الطيران.. يقظة و جودة و كفاءة في المهام

و كان من بين الردود التي استوقفتني رد الأخ مصطفى سليمان، الذي كتب برؤية مهنية تستحق الاحترام، وأشار إلى ضرورة تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات. وهي فكرة أتفق معها من حيث المبدأ، لكنني أرى أن جوهر المقال يطرح تساؤلات ورؤى تستحق النقاش بعيداً عن العناوين العامة.
أشار الأخ مصطفى إلى أن الدولة أيضاً تضررت من الحرب، وأن مطاراتها وبنيتها التحتية تعرضت للتدمير، وأن الرسوم المفروضة تُستخدم في تمويل خدمات أساسية ، وهذا حديث صحيح ومنطقي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه .. أين أثر هذه الرسوم على أرض الواقع؟
ما نراه اليوم هو مطارات “تعبانة” ، وبنية تحتية لا تعكس إطلاقاً حجم الرسوم التي تتحملها شركات الطيران. وقد رأى الجميع واقع مطار بورتسودان ، و لولا توجيهات رئيس الوزراء الأخيرة لما تحركت المياه الراكدة داخل شركة المطارات و الطيران المدني، و لما بدأ الحديث الجاد عن الإصلاح.

كما ذكر الأخ مصطفى أن شركات الطيران بدأت تستعيد جزءاً من عافيتها، بإضافة طائرات جديدة و افتتاح وجهات جديدة، و هذا أيضاً صحيح .. لكن دعونا نتساءل .. إذا بدأ المريض يستعيد عافيته، و وقف على قدميه بعد فترة علاج طويلة، فهل نطالبه مباشرة بالجري؟ أم نوفر له العلاج والدعم و المعينات حتى يستعيد كامل قدرته؟

أظن أن الفكرة واضحة.

و في معرض تعقيبه على استشهادي بتجربة نيجيريا، أشار إلى أن التجربة لم تكن مجرد إعفاءات، و إنما كانت جزءاً من برنامج إصلاح شامل. و أنا أتفق معه تماماً… و لكن ما الذي يمنع الدولة من تبني إصلاح شامل مماثل؟
ما الذي يمنع من إعادة جدولة المديونيات بصورة عادلة، بل و اعفاء جزء منها تقديراً للظرف الحرج ومعالجة الملف برؤية اقتصادية، بدلاً من الزج بمديونيات شركات الطيران في قضايا أخرى، و استخدامها شماعة لتبرير إخفاق الشركات الحكومية وعجزها حتى عن الوفاء برواتب العاملين فيها؟
و بحسب ما أعلمه، فإن شركات الطيران الخاصة تدفع رسوماً على كل صغيرة وكبيرة، وبعضها يُسدد بالعملة الصعبة، بدءاً من رسوم الإقلاع و الهبوط، مروراً بالخدمات الأرضية والملاحة، و انتهاءً بالضرائب و الرسوم المختلفة، دون أن تتمتع بأي امتيازات حقيقية أو دعم يُذكر، بينما تحظى جهات أخرى بمعاملة تفضيلية يعلمها الجميع.

ثم هناك واقع التشغيل نفسه في ظل ظروف استثنائية، و ارتفاع تكلفة الوقود، و قطع الغيار، و التأمين، و التحويلات المالية، و كل ما يتعلق بصناعة الطيران في دولة يدرك الجميع حجم التحديات التي تعيشها.
و لذلك فإن القضية ليست دعوة لإسقاط الحقوق أو إعفاء الشركات من التزاماتها، و إنما هي دعوة إلى بناء علاقة متوازنة بين الدولة و القطاع الخاص .. علاقة تقوم على الشراكة لا الجباية، و على التحفيز لا الاستنزاف.
الدول التي تريد بناء شركات طيران وطنية قوية و قادرة على المنافسة، عليها أن تخلق البيئة التي تساعدها على النمو .. لا أن تثقل كاهلها في أول خطوات التعافي.

لا لمبدأ “ادفع أولاً… ثم نرى”

طيران بلدنا

Exit mobile version