حين تصبح الأزمة النفسية خطراً على سلامة الطيران..من وحي قضية شركة مطارات السودان بين الإدارة والعاملين

حين تصبح الأزمة النفسية خطراً على سلامة الطيران..من وحي قضية شركة مطارات السودان بين الإدارة والعاملين

إبراهيم عدلان

ليست كل المخاطر التي تهدد سلامة الطيران مرئية. فهناك مخاطر تختبئ داخل الإنسان نفسه، لا تظهر على شاشة الرادار ولا تسجلها أجهزة الإنذار، لكنها قد تكون أكثر خطورة من أي عطل فني. إنها الضغوط النفسية، والإجهاد المزمن، والقلق، والشعور بعدم الاستقرار الوظيفي.

شركة مطارات السودان المحدودة.. هل ما يحدث تراجع أم إضعاف ممنهج؟

وقد أدركت منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) هذه الحقيقة، فأصبحت الصحة النفسية للعاملين في الطيران جزءاً أساسياً من منظومة السلامة الجوية، وأصدرت العديد من الإرشادات التي تؤكد أن العامل النفسي لم يعد قضية شخصية، بل أصبح أحد عناصر إدارة المخاطر التشغيلية.

وفي ظل الأزمة التي تعيشها شركة مطارات السودان المحدودة، وما صاحبها من خلافات بين الإدارة والعاملين، يبرز سؤال مهني بالغ الأهمية:

هل يمكن أن تتحول الأزمة الإدارية إلى خطر على سلامة التشغيل؟

الإجابة هي نعم.

فالعامل الذي يعيش ضغوطاً مالية أو وظيفية مستمرة، ويشعر بعدم التقدير أو بعدم وضوح مستقبله، قد يفقد تدريجياً القدرة على التركيز والانتباه، وهما أساس العمل في المطارات.

إن موظف برج المراقبة، وضابط أمن المطار، وفني الكهرباء، ومهندس الصيانة، وسائق معدات الساحة، ورجل الإطفاء، والعامل في الخدمات الأرضية، جميعهم يعملون في بيئة لا تحتمل الخطأ. وأي تراجع في مستوى الانتباه أو سرعة اتخاذ القرار قد يقود إلى حادث لا تُحمد عقباه.

ولهذا السبب شددت الإيكاو على أن الإجهاد النفسي والإرهاق والقلق يجب أن يُعامل كمخاطر تشغيلية تماماً كما يُعامل تعطل جهاز ملاحي أو سوء الأحوال الجوية، لأن الإنسان هو الحلقة الأولى في منظومة السلامة.

ومن أهم ما جاءت به توجيهات الإيكاو ترسيخ مفهوم ثقافة العدالة (Just Culture) التي تشجع العامل على الإبلاغ عن حالته الصحية أو النفسية، أو التصريح بأنه غير لائق للعمل (Not Fit to Fly) عند الحاجة، دون خوف من العقوبة أو الوصمة الوظيفية. كما أوصت بإنشاء برامج دعم الزملاء، وبرامج مساعدة الموظفين، والتدخل النفسي بعد الحوادث، والتدريب على التعرف المبكر إلى علامات الإجهاد والاحتراق الوظيفي.

ولا يخفى على أحد أن العاملين في قطاع الطيران السوداني يعيشون ظروفاً استثنائية فرضتها الحرب، فقد فقد كثير منهم منازلهم أو نزحوا من مناطقهم، وتحملوا أعباء اقتصادية واجتماعية ونفسية قاسية، يضاف إليها عدم الاستقرار الوظيفي وتزايد القلق بشأن المستقبل.

كل هذه العوامل قد لا تظهر في التقارير الإدارية، لكنها تظهر في انخفاض التركيز، وضعف الأداء، وارتفاع احتمالات الخطأ البشري، وهو ما يجب أن يؤخذ بجدية في أي مؤسسة تعمل في مجال شديد الحساسية كقطاع الطيران.

ومن المناسب أيضاً أن تعيد سلطة الطيران المدني النظر في إجراءات تجديد التراخيص السنوية للعاملين في الوظائف الحساسة للسلامة، بحيث تتضمن تقييماً للحالة النفسية وفقاً للمعايير الطبية الواردة في الملحق الأول لاتفاقية شيكاغو، مع التأكيد على أن الغاية من هذا التقييم هي تقديم الدعم والمحافظة على السلامة، وليس حرمان العامل من حقه في العمل.

كما ينبغي تعزيز مفهوم البقاء على الجاهزية المهنية (Stay Up to Date)، بحيث لا يقتصر التجديد على الاختبارات الفنية، وإنما يشمل برامج دورية في إدارة الضغوط، والمرونة النفسية، وإعادة التأهيل بعد فترات الانقطاع الطويلة التي فرضتها الحرب.

لكن الخطر الأكبر لا يكمن في الضغوط النفسية وحدها، وإنما في استمرار الأزمة دون حوار.

فالأزمات المؤسسية لا تتفاقم بسبب الخلافات فقط، وإنما بسبب غياب التواصل. وعندما تغيب المعلومة الرسمية، تتقدم الإشاعة لتملأ الفراغ، ويصبح العامل أسيراً لما يسمعه في الممرات ووسائل التواصل الاجتماعي بدلاً من أن يتلقى الحقيقة من مؤسسته.

وفي بيئة تشغيلية حساسة كالمطارات، لا تؤثر الإشاعة على الروح المعنوية فحسب، بل تخلق حالة من القلق وعدم اليقين قد تنعكس على التركيز والانضباط وجودة الأداء، وهي جميعها عناصر ترتبط مباشرة بسلامة التشغيل.

ومن هنا، فإنني أحذر من خطورة استفحال الأزمة، لأن استمرارها دون حوار جاد قد يؤدي إلى تآكل الثقة بين الإدارة والعاملين، وهي خسارة أكبر من أي خسارة مادية.

إن المرحلة تتطلب من الإدارة أن تفتح أبواب الحوار، وأن تتواصل مع العاملين بصورة منتظمة، وأن تضعهم في صورة ما يجري من تحديات وإجراءات وخطط مستقبلية، لأن الموظف شريك في المؤسسة، وليس مجرد متلقٍ للقرارات. كما أن من حق العامل أن يعرف حقيقة الأوضاع التي تؤثر في مستقبله الوظيفي، بدلاً من أن يبني مواقفه على الشائعات والتكهنات.

وفي المقابل، فإن المسؤولية تقع أيضاً على العاملين في تغليب لغة الحوار، والمحافظة على استقرار المؤسسة، والابتعاد عن كل ما من شأنه تعميق الأزمة، لأن استقرار بيئة العمل هو مصلحة مشتركة للجميع.

إن الطيران صناعة تعتمد على الإنسان قبل الآلة. فالأنظمة يمكن إصلاحها، والأجهزة يمكن استبدالها، أما الإنسان المنهك نفسياً فلا يمكن أن يقدم أعلى مستويات الأداء مهما بلغت خبرته.

ومن واقع تجربة امتدت لأكثر من أربعة عقود في الطيران المدني، أؤمن بأن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي مؤسسة ليس في شراء المعدات أو تحديث البنية التحتية فحسب، وإنما في الإنسان. فالعامل الذي يشعر بالاحترام، ويثق في مؤسسته، ويجد من يستمع إليه، يكون أكثر قدرة على اتخاذ القرار الصحيح في أصعب الظروف.

إن الحفاظ على سلامة الطيران يبدأ بالحفاظ على الإنسان.

وفي النهاية، فإن الرسالة التي تؤكدها الإيكاو اليوم واضحة: الصحة النفسية ليست رفاهية، بل أحد أعمدة سلامة الطيران. وقد تبدأ الحوادث بخطأ بشري، لكن كثيراً من الأخطاء البشرية تبدأ بأزمة نفسية لم تجد من يستمع إليها في الوقت المناسب.

Exit mobile version