الصحة المهنية في الطيران المدني.. الحلقة المفقودة في سلطة الطيران المدني وشركة المطارات السودانية
كتب:إبراهيم عدلان
حين نتحدث عن سلامة الطيران، يتجه التفكير مباشرة إلى الطائرات، والمدارج، وأجهزة الملاحة الجوية، وبرامج الأمن، وأنظمة المراقبة. لكن الحقيقة التي تؤكدها التجارب الدولية هي أن سلامة الطيران تبدأ من الإنسان قبل أن تبدأ من الآلة.
الترخيص والكفاءة والصحة النفسية… ثلاثية التعافي في الطيران المدني
فالطيار المرهق، والمراقب الجوي الذي يعمل تحت ضغط نفسي متواصل، وفني الصيانة الذي يتعرض لساعات طويلة للضوضاء والمواد الكيميائية، وعامل الساحة الذي يعمل تحت أشعة الشمس الحارقة وبين عوادم المحركات النفاثة… جميعهم يشكلون الحلقة الأولى في منظومة السلامة الجوية.
ومن هنا جاء اهتمام منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) بالعوامل البشرية، وإدارة الإرهاق، واعتبار صحة العاملين جزءاً أصيلاً من نظام إدارة السلامة (SMS). فالحوادث الجوية كثيراً ما تبدأ بخطأ بشري، والخطأ البشري كثيراً ما يكون نتيجة إرهاق، أو مرض، أو ضغط نفسي، أو بيئة عمل غير آمنة.
ورغم ذلك، لا تزال الصحة المهنية في كثير من مؤسسات الطيران بالدول النامية تُعامل على أنها نشاط إداري ثانوي، بينما هي في الدول المتقدمة إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها سلامة الطيران واستدامة الأداء.
وفي السودان، وبعد ما تعرض له قطاع الطيران من دمار خلال الحرب، فإن إعادة البناء يجب ألا تقتصر على إصلاح المدارج وصالات السفر وأجهزة الملاحة و التباهي بها امام المسؤولين ، بل يجب أن تبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان الذي سيدير هذه المنشآت.
إن موظفي سلطة الطيران المدني وشركة المطارات السودانية يعملون في واحدة من أكثر بيئات العمل خطورة وتعقيداً. فهم يتعرضون يومياً لمستويات عالية من الضوضاء، ولعوادم الطائرات، والمواد الكيميائية، والإجهاد الحراري، والعمل بنظام الورديات، فضلاً عن الضغوط النفسية التي فرضتها سنوات الحرب وما رافقها من فقدان للزملاء وعدم استقرار وظيفي.
ومن هنا يصبح الاهتمام بالصحة المهنية ليس ترفاً إدارياً، وإنما استثماراً مباشراً في سلامة الطيران.
ولعل أكثر ما يؤلم العاملين أن البطاقة العلاجية، التي يفترض أن تكون عنواناً للرعاية والوفاء المؤسسي، أصبحت في كثير من الأحيان تُدار بعقلية ترى فيها عبئاً مالياً ينبغي تقليصه، لا حقاً إنسانياً يجب صيانته.
فالمؤسسة الناجحة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من طائرات ومبانٍ وأجهزة، وإنما بما تمنحه لموظفيها من شعور بالأمان. والعامل لا يطلب امتيازاً استثنائياً، بل يطلب أن يطمئن إلى أن المؤسسة التي أفنى فيها عمره ستقف إلى جواره عندما يمرض، أو عندما يمرض أحد أفراد أسرته.
وفي الظروف التي يعيشها السودان اليوم، أصبحت البطاقة العلاجية من أهم مقومات الاستقرار الوظيفي. فهي ليست بطاقة للعلاج فحسب، وإنما وثيقة طمأنينة تقول للعامل: لن تكون وحدك في ساعة المرض.
ولذلك فإن الأسرة التي يشملها التأمين الصحي يجب ألا تُختزل في تعريفات ضيقة تضعها اللوائح المالية، وإنما ينبغي أن تُفهم في إطار المجتمع السوداني وقيمه؛ فتشمل العامل أو الموظف، ووالدته ووالده اللذين بلغا من العمر عتياً، وزوجته أو زوجاته وفق ما يقره القانون، وجميع أبنائه دون قيود أو تعقيدات إدارية تُفرغ الخدمة من مضمونها الإنساني.
إن الموظف الذي يغادر منزله وهو يعلم أن أمه المريضة، أو زوجته، أو أحد أطفاله، سيجد العلاج الكريم عند الحاجة، سيؤدي واجبه بعقل حاضر وقلب مطمئن. أما إذا ظل طوال ساعات عمله منشغلاً بكيفية تدبير تكلفة دواء أو عملية جراحية، فإن المؤسسة تكون قد فقدت جزءاً كبيراً من إنتاجيته قبل أن يبدأ يوم عمله.
والأمر لا ينبغي أن يقف عند العاملين في الخدمة، فهناك فئة تستحق من الوفاء أكثر مما تستحقه الكلمات، وهم المعاشيون الذين أفنوا أعمارهم في هذه المؤسسات.
إن المعاشي الذي أمضى خمسةً وعشرين عاماً أو ثلاثين أو أربعين عاماً في خدمة سلطة الطيران المدني أو شركة المطارات السودانية، لم يكن مجرد موظف يتقاضى راتباً، بل كان أحد الذين بنوا هذه المؤسسات، وسهروا على سلامة الطيران، وتحملوا مسؤوليات جساماً في أصعب الظروف.
لقد منح المؤسسة أجمل سنوات عمره، وعمل في الليالي والأعياد، وفي الحر والمطر، وقدم من صحته وجهده ما لا يمكن تعويضه. فإذا جاء يوم التقاعد، فلا يجوز أن يصبح رقماً يُرفع من كشوفات العاملين، وكأن سنوات عطائه قد انتهت بانتهاء راتبه.
إن المتقاعد هو أكثر الناس احتياجاً إلى الرعاية الصحية، لأن المرض يزداد مع تقدم العمر، والدخل يقل، والاحتياجات العلاجية تتضاعف. ولذلك فإن استمرار التغطية العلاجية للمعاشيين، خاصة الذين تجاوزت خدمتهم خمسةً وعشرين عاماً، ليس منحة من المؤسسة، بل هو حق أدبي وأخلاقي، ورسالة وفاء لمن صنعوا تاريخها.
بل إن هذا الوفاء ينبغي أن يمتد إلى أسرهم، لأن الأسرة نفسها كانت شريكاً في تلك المسيرة الطويلة، تحملت غياب الأب أو الأم، وضغوط العمل، والتنقل، والسهر، حتى يؤدي الموظف واجبه على الوجه الأكمل.
إن المؤسسة التي تحفظ جميل من خدموها، هي المؤسسة التي تغرس الولاء في نفوس العاملين الحاليين، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن العطاء لا يُنسى، وأن الوفاء لا ينتهي بانتهاء الخدمة.
ولهذا فإن إنشاء إدارة متخصصة للصحة المهنية داخل سلطة الطيران المدني، وأخرى داخل شركة المطارات السودانية، لم يعد خياراً، بل ضرورة تفرضها معايير الطيران الحديثة، وتقتضيها المسؤولية الأخلاقية تجاه الإنسان.
وينبغي أن تتولى هذه الإدارة تقييم المخاطر المهنية، وإجراء الفحوص الطبية الدورية، وإدارة برامج الإرهاق، والدعم النفسي، ومراقبة بيئة العمل، والإشراف على برامج التأمين الصحي والرعاية الطبية للعاملين والمتقاعدين، باعتبارها جزءاً أصيلاً من منظومة السلامة، لا خدمة إدارية هامشية.
فالاستثمار في صحة الإنسان ليس بنداً من بنود الصرف، وإنما هو استثمار في سلامة الطيران نفسها. والطائرات يمكن شراؤها، والمدارج يمكن إعادة بنائها، وأجهزة الملاحة يمكن استبدالها، أما الإنسان الذي يحمل كل هذه المنظومة على كتفيه فلا يمكن تعويضه بسهولة.
إن المؤسسات العظيمة لا تُعرف فقط بما تشيده من مبانٍ، وإنما بما تحفظه من كرامة لمن شيدوها.
فإذا أردنا طيراناً آمناً ومستداماً، فعلينا أن نرعى الإنسان في سنوات عطائه، وألا ننساه في سنوات حاجته. فالوفاء ليس شعاراً يكتب على الجدران، بل ممارسة تترجمها الرعاية حين يضعف الجسد، ويشتد المرض، ويصبح الإنسان في أمسّ الحاجة إلى أن يشعر بأن المؤسسة التي خدمها يوماً ما زالت ترد له شيئاً من جميل ما قدمه لها.
