حين كانت الأغنيات تحملنا إلى المستقبل، هشام حمد الله الزول الجميل
أبشر حسين
“قلنا ليك طلي وحي لو أمكن… قلتي لي لا لا، والربيع أحسن.”
هناك أغنيات لا نسمعها بآذاننا فحسب، بل نستعيد معها وجوهًا وأماكن وأزمنة ظننا أنها مضت، فإذا بها تعود إلينا بكل تفاصيلها. هذه الأغنية، بصوت الفنان عبد الله الحاج ،كلما مرت بخاطري أعادتني إلى سنوات الدراسة بكلية الطب، حيث كان للحياة مذاق مختلف، وكانت الأحلام أكبر من أعمارنا.
أبشر حسين يكتب: «لي زمن بنادي» د.بانقا والعطا المستديم
أرى أمامي أخي وصديقي العزيز هشام حمد الله، خارجًا من صالة أنيس بكلية الطب، يردد كلمات الأغنية في هدوء، وعلى ذراعه يستقر كتاب ميورس لعلم الأمراض (Muir’s Textbook of Pathology)، ذلك الكتاب الذي كان طلاب الطب ينظرون إليه بشيء من الرهبة والإجلال. كان ضخمًا حتى إن حمله يُتعب الجسد، أما ما بين دفتيه من علم، فكان يحتاج إلى صبر العلماء وعزيمة الباحثين.
كان هشام يحمل الكتاب عاشقًا للمعرفة يؤمن أن التفوق لا يأتي صدفة، وإنما يولد من ساعات طويلة من القراءة والتأمل والاجتهاد.
ومنذ أن عرفته، لم أسمع منه إلا الكلمة الطيبة. كان هادئًا هدوء الواثق، متزنًا اتزان الحكماء، وكأنه يختار ألفاظه بعناية قبل أن ينطق بها، حتى لا تجرح أحدًا أو تسيء إلى إنسان. وكانت ابتسامته الهادئة تسبق حديثه، فتجعل من يلقاه يألفه من أول لقاء.
كان مرتبًا في حياته كما كان مرتبًا في أفكاره. مجتهدًا في دراسته، متفوقًا بين أقرانه، محبوبًا بين زملائه وأساتذته، يجمع بين الذكاء والتواضع، وبين الطموح ونبل الخلق. ولم يكن يعيش داخل أسوار الجامعة فقط، بل كان يحمل هموم وطنه، ويشارك في العمل السياسي بقناعة صادقة، مؤمنًا بأن الطبيب لا ينفصل عن مجتمعه، وأن رسالة الطب تبدأ بالإنسان قبل المرض.
ومضت الأيام، فإذا بذلك الطالب الهادئ يواصل رحلته بثبات، حتى أصبح واحدًا من الأسماء اللامعة في طب المخ والأعصاب، ليس في المملكة المتحدة فحسب، بل في المحافل العلمية العالمية. ولم يكن هذا النجاح مفاجئًا لمن عرف هشام؛ فقد كانت ملامحه كلها تنبئ بمستقبل استثنائي.
وأنا، حين أسترجع تلك الأيام، أدرك أن ما تعلمته من هشام لم يكن علمًا فقط، بل كان درسًا في الأخلاق، وفي احترام الناس، وفي أن التواضع يزيد العالم رفعة، وأن الكلمة الطيبة قد تترك أثرًا يبقى في القلوب أكثر من أي إنجاز.
لقد مضت سنوات طويلة، وتفرقت بنا دروب الحياة، لكن بعض الذكريات لا تشيخ. تبقى ساكنة في الوجدان، تنتظر أغنية، أو رائحة كتاب قديم، أو صورة عابرة، لتعود نابضة بالحياة، وكأن الزمن لم يمضِ يومًا.
سلامٌ على تلك الأيام الجميلة، وسلامٌ على رفاق الدراسة الذين علمتنا صحبتهم أن النجاح ليس فيما نحصله من شهادات فحسب، بل فيما نتركه من أثر طيب في نفوس الآخرين.
ولأخي وصديقي هشام حمد الله، أقول: ما زلت ذلك الإنسان النبيل الذي عرفناه في مقاعد الدراسة؛ زادك الزمن علمًا، لكنه لم ينتزع منك تواضعك، ولا طيبة قلبك، ولا صفاء روحك. وتلك، في ظني، هي أعظم إنجازات الإنسان.
