ابراهيم شقلاوي يكتب: من أثينا إلى قرطبة

من أثينا إلى قرطبة…

ابراهيم شقلاوي

ليس الماضي ما نعود إليه دائمًا، بل هو ما يعود إلينا حين ينضج الوعي. عندها ندرك أن سنوات التعلّم لم تكن تكديسًا للمعرفة، بل مسارًا خفيًّا لإعادة تشكيل الذات والفكرة.

هكذا كانت الأمسية التي جمعتني برفاق الدراسة بعد سنوات من الغياب. التقينا لاستقبال صديقنا الدكتور طلال عبد الباسط العائد من المملكة العربية السعودية، وجلس معنا صلاح الحنان، وأبو القاسم عبد الهادي، وبابكر فاروق. وما إن انطلقت الأحاديث حتى عادت إلينا أيام العمر النضرة، والعلاقات الاجتماعية والنشاط السياسي، واستعادت الذاكرة جامعة القاهرة – الفرع، حيث كانت وطناً صغيرًا للعقل، تشكّل فيه أفكارنا.

ابراهيم شقلاوي يكتب: بارا… سقوط الأقنعة

هناك أدركنا متأخرين، أن الزمن يكشف قيمة اللحظات بعد غيابها، فما ظننّاه محاضرات ماضية، في الحقيقة كان تَتَلْمُذًا على أيدي فلاسفة منحوا المعرفة بسخاء. كانوا يحملون كتابًا، لكنهم يحملون معه تاريخًا من الفكر الإنساني، فلم يملأوا ذاكرتنا بالمعلومات، بل أيقظوا فينا شغف السؤال، وعلّمونا أن أعظم ما يمنحه المعلم هو القدرة على التفكير وتحليل الأحداث.

في تلك الجلسة الماتعة ،حين عدت أبحث عن أخبار أساتذتنا، علمت أن الدكتور عاطف العراقي قد رحل، وأن الدكتورة أميرة حلمي مطر لحقت به بعد رحلة طويلة في خدمة الفكر. حزنا وأسفنا، لم يكن الحزن لأن الموت غيّبهما، فالموت قانون الوجود، وإنما لأننا شعرنا لأول مرة، أننا كنا قريبين لحد الملازمة، من قمم فكرية لم ندرك ارتفاعها إلا بعد أن ابتعدنا عنها. وكأن الزمن في سخريته النبيلة يمنحنا دائمًا الحكمة متأخرين.
ولعل هذه هي إحدى مفارقات الوجود التي تحدث عنها الفلاسفة، فنحن لا نعرف قيمة الأشياء وهي بين أيدينا، لأن الحضور يحجب الرؤية، بينما يكشفها الغياب. إن الإنسان لا يبصر الأثر إلا عندما يكتمل، ولا يدرك فضل المعلم إلا عندما يصبح مسؤولًا عن صناعة الوعي لدى الآخرين.

كان الدكتور عاطف العراقي واحدًا من أولئك الذين جعلوا من الفلسفة الإسلامية موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون تخصصًا أكاديميًا. لم يكن يدرس الفلسفة باعتبارها تاريخًا للأفكار، بل باعتبارها تاريخًا لتحرر العقل من الخوف. وكان يرى أن السؤال ليس تهديدًا للإيمان، بل شرطًا لنضجه، وأن العقل لا يناقض الهوية، وإنما يحرسها من الجمود والاستسلام. لذلك انشغل بمشروع ابن رشد، لأنه رأى فيه وعدًا حضاريًا لم يكتمل بعد، وعدًا بالمصالحة بين العقل والنص، وبين الإنسان والعالم.

أما الدكتورة أميرة حلمي مطر، فقد كانت نافذتنا إلى الفجر الأول للفلسفة. عبر كتبها لم نقرأ سقراط وأفلاطون وأرسطو باعتبارهم أسماءً في تاريخ الفكر، وإنما باعتبارهم رفاقًا في رحلة الإنسان نحو الحق و الحقيقة. كانت تؤمن أن الفلسفة، ضرورة حضارية، لأن الأمم التي تتوقف عن السؤال، تبدأ، من حيث لا تدري، في كتابة نهايتها.

ومن هنا يتجاوز عنوان مقالنا “من أثينا إلى قرطبة” معناها الجغرافي، ليصبح رؤية لمسيرة العقل الإنساني الحائر. ففي أثينا وُلد السؤال الحر، وفي قرطبة استعاد السؤال حياته داخل الحضارة الإسلامية المزدهرة ،عندما إلتقى الوحي بالعقل، والتأويل بالبرهان، والفلسفة بالحكمة. ولم يكن ابن رشد شارحا لأرسطو، بل كان شاهدًا على أن الحضارات لا تنهض بما تملكه من ثروات، وإنما بما تملكه من قدرة على التفكير المبدع.

كنا نظن أن أساتذتنا يشرحون لنا تاريخ الفكر، فإذا بهم يجعلوننا جزءًا منه. ولم تكن جامعة القاهرة – فرع الخرطوم مؤسسة أكاديمية، بل جسرًا حضاريًا بين السودان ومصر، صنعت فيه المعرفة ما تعجز عنه السياسة. ورغم أن سودنة الجامعة جاءت في سياقها الوطني، فإن التجارب تُقاس بنتائجها كما تُقاس بمقاصدها. واليوم نستحضر تلك التجربة، إيمانًا بأن الجامعة تبني الإنسان قبل أن تمنحه الشهادة، وأن الاستثمار في المعرفة هو الاستثمار الذي يصنع المستقبل. فالمعلم شريكًا في بناء الدولة، والفكر أساسها.

يؤلمنا في عالمنا العربي أننا كثيرًا ما نعرف قيمة علمائنا بعد رحيلهم، مع أن الوفاء الحقيقي يكون في الاحتفاء بهم وهم بيننا. فكل عقل ناضج هو ثمرة معلمين أعطوا في صمت، ويبقى تكريمهم الأسمى في استمرار رسالتهم، فالأوسمة تزين الصدور، أما الأفكار فتسكن ضمير الشعوب. خرجنا من تلك الأمسية، ونحن نستعيد ذكري أساتذتنا، وندرك أن المعرفة قيمة تتوارثها الأجيال، وأن بناء الإنسان، أعظم ما يتركه المعلم لأمته.

ختامًا، وبحسب #وجه_الحقيقة، لا يسعنا إلا أن نترحم على الدكتور عاطف العراقي، والدكتورة أميرة حلمي مطر، وكل معلم ترك في تلاميذه أثرًا لا تمحوه الأيام. فالمعلم لا يخلده ما يكتبه في قاعة الدرس، بل ما يغرسه في العقول، لأن الأفكار تبقى حيث تزول الكلمات. فالأمم لا ترث معلميها أقل مما ترث تاريخها، إذ تُبنى الحضارات بالمعرفة قبل العمران، وبالإنسان قبل الحجر. وهنا يكتمل معنى الوفاء، ويغدو الخلود أن يبقى الفكر حيًا في عقول الأجيال، وإن غاب صاحبه عن الدنيا.

Exit mobile version