الترانزيت في مطار بورتسودان .. هل تعيق تعدد القرارات انسيابية النقل الجوي؟
بقلم : مصطفى سليمان
يشكل الترانزيت أحد الأعمدة الأساسية لصناعة النقل الجوي الحديثة، إذ تعتمد عليه شركات الطيران في بناء شبكاتها التشغيلية، وتعزيز الجدوى الاقتصادية لرحلاتها، وربط الوجهات الإقليمية والدولية بكفاءة عالية. ولذلك تتنافس المطارات حول العالم في توفير بيئة تشغيلية مرنة، وإجراءات مبسطة، وصالات ترانزيت متطورة، بما يحقق أعلى مستويات الانسيابية ويعزز تجربة المسافر.
قبل السفر إلى الإمارات.. بدر للطيران تكشف شروط الترانزيت الجديدة عبر 7 مطارات
لكن المشهد في مطار بورتسودان الدولي يثير العديد من التساؤلات حول واقع إجراءات الترانزيت، في ظل شكاوى متكررة من شركات الطيران بشأن تعقيد الإجراءات وتداخل الاختصاصات بين الجهات العاملة داخل المطار، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على زمن الرحلات، وتكاليف التشغيل، وراحة المسافرين.
وتبدأ المشكلة من غياب صالة ترانزيت مخصصة، وهو تحدٍ تشغيلي يفرض إجراءات إضافية على الركاب وشركات الطيران، إلا أن التحدي الأكبر يتمثل في تضارب التعليمات الصادرة من بعض الجهات، الأمر الذي يضع شركات الطيران أمام واقع يصعب التعامل معه بكفاءة.
وتؤكد شركات الطيران أنها تلتزم باللوائح والتعليمات الصادرة عن سلطة الطيران المدني وإدارة المطار، باعتبارهما الجهتين المسؤولتين عن تنظيم وتشغيل النشاط داخل المطار، لكنها في الوقت نفسه تتلقى تعليمات وإجراءات إضافية من بعض الجهات المساندة، وهو ما يؤدي إلى ازدواجية في التطبيق، وتأخير في إنجاز العمليات، وإرباك في سير الرحلات.
وهنا يبرز سؤال جوهري و مشروع :
هل يجوز لأي جهة عاملة داخل المطار استحداث إجراءات تشغيلية أو تعديل إجراءات قائمة بصورة منفردة، أم أن ذلك يجب أن يتم عبر سلطة الطيران المدني وبالتنسيق مع إدارة المطار وجميع الجهات ذات العلاقة؟
إن المعايير الدولية التي أرستها منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، ولا سيما الملحق التاسع الخاص بتسهيلات النقل الجوي (Annex 9 – Facilitation)، تقوم على مبدأ تبسيط الإجراءات، وتقليل التأخير، وتعزيز التنسيق بين جميع الجهات الحكومية العاملة بالمطارات، بما يضمن انسيابية الحركة دون الإخلال بالمتطلبات الأمنية أو الجمركية أو متطلبات الهجرة.
ومن أبرز القضايا التي تستحق المراجعة ما يتعلق بإجراءات الجمارك، إذ تشير بعض شركات الطيران إلى إلزامها بمرافقة أحد أفراد الجمارك للرحلة من بورتسودان إلى الخرطوم، إلى جانب تحمل تكلفة المقعد ، رغم وجود إدارة جمركية متكاملة في مطار الخرطوم تمارس اختصاصاتها فور وصول الطائرة.
ولا يتعلق الأمر هنا بقيمة المبلغ وحدها، بل بجدوى الإجراء نفسه، ومدى توافقه مع مبادئ الكفاءة التشغيلية، خصوصًا إذا كان يضيف أعباء مالية وتشغيلية على شركات الطيران دون وجود مبررات تشغيلية معلنة أو إطار تنظيمي موحد يحدد الحالات التي تستوجب تطبيقه.
إن قطاع الطيران بطبيعته قطاع شديد الحساسية للوقت؛ فكل دقيقة تأخير لها تكلفة مباشرة، وكل إجراء غير منسق ينعكس على شركات الطيران، والمسافرين، وسمعة المطار، وجاذبية الدولة للاستثمار في النقل الجوي.
ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة لأن تقود سلطة الطيران المدني، بصفتها الجهة المنظمة لقطاع الطيران، وبالتنسيق مع شركة مطارات السودان المحدودة، مراجعة شاملة لإجراءات الترانزيت داخل مطار بورتسودان، مع وضع دليل إجراءات موحد وملزم لجميع الجهات العاملة بالمطار، بحيث لا يتم استحداث أو تعديل أي إجراء تشغيلي إلا من خلال آلية رسمية قائمة على التشاور والتنسيق المؤسسي.
إن نجاح أي مطار لا يقاس بعدد الرحلات التي يستقبلها فحسب، بل بقدرته على إدارة تلك الرحلات بكفاءة، ووحدة القرار، ووضوح المسؤوليات. فكلما كانت الإجراءات أكثر وضوحًا وتنسيقًا، ازدادت ثقة شركات الطيران، وتحسنت تجربة المسافرين، وتعززت مكانة السودان على خريطة النقل الجوي الإقليمي والدولي …
