“الليلة والليلة… بصات أبو رجيلة”
أبشر حسين
لا أدري لماذا قفزت إلى ذاكرتي اليوم تلك الأهزوجة التي كان يرددها الصغار مع بداية ظهور بصات أبو رجيلة في الخرطوم:
“الليلة والليلة… بصات أبو رجيلة.”
أظن أن ذلك كان في أوائل سبعينيات القرن الماضي، حين أحدثت هذه البصات ثورة حقيقية في عالم المواصلات. كانت أنيقة في تصميمها، جميلة في هيئتها، يكسوها لون أصفر زاهٍ، كلون بقرة بني إسرائيل. ولم تكن أعدادها كبيرة، لذلك لم تكن تغطي جميع أنحاء العاصمة، التي كانت يومها أقل ازدحامًا واتساعًا مما هي عليه اليوم.
أبشر حسين يكتب: يا ستنا …. حين يتحول الحضور الى نور
أتذكر أننا كنا ننتظرها طويلًا في المحطة الوسطى بالخرطوم، خاصة عند العودة إلى أم درمان. وكان الانتظار قد يطول، لكنه لم يكن يبعث على الضجر، بل كان يخلق لنا عالمًا من الأحاديث والضحكات والطرائف.
كنا يومها في ريعان الشباب، وقد كنا نتلقى تدريبًا في قصر الشباب والأطفال ضمن برنامج دبلوم الدراما. وخلال فترات الانتظار الطويلة كنا نحوّل الملل إلى متعة، فنقدم لبعضنا مشاهد صامتة (Pantomime)، نتبادل فيها القفشات والحركات الكوميدية التي كانت تثير ضحك الواقفين معنا، حتى يتحول رصيف المحطة إلى مسرح صغير يجمع بين الفن والعفوية.
وكان فن البانتومايم بالنسبة لنا عالمًا مختلفًا، يختلف عن الأداء الكوميدي الشعبي الذي اشتهر به ود المهدي، كما يختلف عن تجربة الأستاذ محمد السني الرائدة في مسرح الرجل الواحد، التي أبدع فيها أيما إبداع، وترك بها بصمة لا تزال حاضرة في ذاكرة المسرح السوداني.
وترتبط بصات أبو رجيلة في ذاكرتي أيضًا بصلة الرحم؛ فقد كان والدي، رحمه الله، يصحبني كل يوم جمعة لزيارة الأقارب، وكنا نعتمد في تنقلاتنا على هذه البصات مستخدمين الأبوني. وما زلت أستشعر دفء تلك الرحلات؛ فقد كانت الزيارة في ذلك الزمان عادة أصيلة، لا تشغلها مشاغل الحياة، ولا تسرقها سرعة الأيام، وكانت البيوت مفتوحة والقلوب أكثر انفتاحًا.
وقبل ظهور بصات أبو رجيلة، كانت هناك بصات “البلو بيرد” (Blue Bird) تجوب شوارع العاصمة، وقبلها أيضًا ما زلت أذكر، وأنا طفل صغير، ذلك البص الأخضر الذي ارتبط في وجداني بزيارة مقابر حمد النيل صباح أول أيام العيد بعد صلاة الفجر. كان خط سيره يمر عبر شارع الفيل، وكنا نستقله من أمام دكان الشيخ الكامل.
وما زالت تلك المشاهد عالقة في الذاكرة؛ وجوه الناس، وملابس العيد الجديدة، ورائحة الأرض المبتلة بندى الصباح، وأجواء الزيارة التي كانت تمتزج فيها فرحة العيد بالدعاء لمن سبقونا إلى الدار الآخرة. كان الأطفال يمرحون، والكبار يتبادلون السلام والدعوات، وكانت للحياة نكهة خاصة لا تشبه شيئًا في زماننا هذا.
كانت أيامًا بسيطة، لكنها كانت مفعمة بالمودة والرضا. لا يمكن للزمن أن يعيدها، مهما تمنينا ذلك. وربما لهذا السبب، كلما استمعت إلى أغنية ثنائي الجزيرة كانت ايا سعيدة ربى مناى تعيده، عاد بي الحنين إلى تلك السنوات الجميلة، وإلى أيام مدني الوادعة، وإلى محمد يوسف و “مر علينا سلِّم”، تلك الايام التي ما زالت تحمل عبق زمن كان الناس فيه أقرب إلى بعضهم، وكانت الحياة أقل تعقيدًا وأكثر دفئًا.
تبقى الذكريات وطنًا لا يغادرنا، وكلما تقدم بنا العمر ازددنا يقينًا بأن أجمل ما نملكه ليس ما بقي في أيدينا، وإنما ما بقي حيًا في قلوبنا. فالأماكن قد تتغير، والوجوه قد تغيب، لكن الذكريات الصادقة تظل تنبض في الوجدان، تعيد إلينا ابتسامة الأمس كلما مرّ طيفها بخاطرنا.
بروف أبشر حسين
