ذكريات المحطة الوسطى… مع الشاعر حسن الزبير
أبشر حسين
كان ذلك في أوائل التسعينيات. بعد انتهاء يوم العمل، (كنت أعمل بمستشفى الشعب)، بينما زوجتي تعمل بمستشفى الخرطوم، نمشى بارجلنا حتى المحطة الوسطى بالخرطوم لنبدأ رحلة العودة إلى منزلنا في بانت عبر المواصلات العامة.
وبعد فترة أصبحنا نفضل ركوب سيارات النقل الطارئ لما توفره من راحة مقارنة بالحافلات.
أبشر حسين يكتب: “الليلة والليلة… بصات أبو رجيلة”
وأذكر أنه في أحد الأيام، وبينما كنا داخل السيارة، صعد معنا أحد الدراميين الذين تزاملت معهم في قصر الشباب والأطفال أثناء دراسة دبلوم الدراما. لم نلتقِ منذ سنوات، فسرعان ما انطلقت بيننا أحاديث الذكريات، عرف أنني أصبحت طبيبًا، وكان يعرف في الوقت نفسه شغفي بالفن، فتحدثنا طويلًا عن المسرح والشعر والغناء.
كان سائق السيارة صامتًا طوال الطريق، لكنه كان ينصت باهتمام بالغ إلى حديثنا، دون أن يقاطعنا بكلمة.
وفي اليوم التالي، عندما وصلنا إلى المحطة الوسطى، فوجئت بالسائق نفسه يقف أمام سيارته، وقد كان بها ثلاثة ركاب فقط وكان قد اخبر الناس المنتظرين بان المقعدين محجوزتان لطبيبين . ما إن رآني حتى أشار إليّ مبتسمًا وقال:
“أنا في انتظاركم.”
ركبنا معه، لكن هذه المرة كان هو من تولى قيادة الحديث.
وإذا بنا أمام رجل موسوعي، واسع الاطلاع، يفيض معرفة بتاريخ الغناء السوداني، ولا سيما فن الحقيبة. أخذ يحدثنا بشغف عن شعرائها ومغنيها، فتنقل بين سير الجاغريو وعمر البنا وود الرضي ومصطفى بطران، وشرح لنا لماذا لُقِّب مصطفى بطران بـ”شاعر الطبيعة”. ثم انتقل إلى الحديث عن سيد عبد العزيز وأبي صلاح وحمد بشير عتيق، وروى لنا طرائف وحكايات عن عوض شمبات مع كرومة ومقدرته العجيبة فى حفظ اللحن، وعن عبد الرحمن الريح وعلاقته بأولاد الموردة، والنقلة الفنية الكبيرة التي أحدثها في مسيرة الأغنية السودانية.
كان حديثه آسراً، يجمع بين دقة المعلومة ومتعة الحكاية، حتى كنا نشعر أن الطريق يقصر ونحن نستمع إليه.
وعندما وصلنا إلى بانت، وقبل أن نترجل من السيارة، التفت إليّ قائلاً:
“بالمناسبة… أنا اسمى حسن الزبير.”
قلت له بدهشة:
“حسن الزبير… الشاعر؟”
ابتسم وقال:
“نعم.”
فقلت له ضاحكًا:
“إذن أنت طيش الحقيبة.”
فضحك من قلبه، وأعجبه هذا اللقب الذي لايعرفه الكثيرون.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحنا نحرص، أنا وزوجتي، على العودة معه كلما وجدناه في المحطة. لم تكن الرحلة مجرد وسيلة للوصول إلى المنزل، بل أصبحت مجلسًا أدبيًا وفنيًا عامرًا بالمعرفة والذكريات. كنا نستمتع بأحاديثه، وحكاياته، وقصص الأغنيات، وأخبار الشعراء والمطربين، فنصل إلى منزلنا وقد حملنا معنا زادًا من الثقافة والمتعة.كلما ننزل من العربة كان يصر على عدم اخذ الاجرة ولكنى اقول له (ما بنختلف).
رحم الله الشاعر حسن الزبير، فقد كان أديبًا ظريفًا، وإنسانًا واسع المعرفة، استطاع أن يحول رحلة يومية قصيرة إلى درس في تاريخ الفن السوداني، وإلى ذكرى جميلة ما زالت تعيش في الوجدان.
