لماذا تصل شركات الطيران الأجنبية إلى بورتسودان ولا تصل إلى الخرطوم؟ عندما تحكم صناعة الطيران لغة الأرقام لا العواطف
إبراهيم عدلان
من وحي استئناف الخطوط الجوية القطرية رحلاتها إلى مدينة بورتسودان، ثم إعلان مصر للطيران عودتها هي الأخرى إلى المطار ذاته، برز سؤال كبير تردد على ألسنة الكثيرين:
إذا كانت شركات الطيران الأجنبية قد عادت إلى السودان، فلماذا لا تعود مباشرة إلى الخرطوم؟
وهو سؤال مشروع، لكنه يحتاج إلى إجابة فنية أكثر من كونه يحتاج إلى إجابة سياسية.
مدير عام سلطة الطيران المدني ابراهيم عدلان : مبنى بكوبر يهدد هبوط الطائرات وقد نضطر لإغلاق المطار
فالبعض يعتقد أن عدم وصول الشركات الأجنبية إلى الخرطوم يعني وجود قرار يمنعها من ذلك، أو أن مطار الخرطوم غير مفتوح، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. ففي عالم الطيران المدني، لا تتخذ شركات الطيران قراراتها بناءً على الرغبة أو المجاملة، وإنما وفق منظومة دقيقة من تقييم المخاطر (Risk Assessment) والتغطية التأمينية (Insurance Coverage) واعتبارات السلامة والأمن والجدوى الاقتصادية.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع مطار الخرطوم استقبال الطائرات؟ وإنما: هل أصبحت المخاطر المرتبطة بالتشغيل إلى الخرطوم ضمن الحدود التي تقبلها شركات الطيران وشركات التأمين؟
التأمين… صاحب القرار غير المرئي
يعتقد كثيرون أن قرار فتح أي خط جوي تتخذه شركة الطيران وحدها، بينما الواقع أن شركات التأمين تؤدي دورًا لا يقل أهمية عن دور الناقل الجوي نفسه.
فأي طائرة حديثة قد تتجاوز قيمتها مئات الملايين من الدولارات، وتحمل على متنها مئات الركاب وأفراد الطاقم، ولا تستطيع شركة الطيران تشغيلها دون تغطية تأمينية تشمل هيكل الطائرة، والمسؤولية تجاه الركاب، وأضرار الغير، ومخاطر الحرب.
ولهذا فإن شركات التأمين لا تنظر إلى المدرج وحده، ولا إلى جاهزية برج المراقبة فقط، وإنما تراجع تقارير متخصصة عن الوضع الأمني، وأمن المطار، وكفاءة خدمات الإطفاء والإنقاذ، وجاهزية الملاحة الجوية، وخطط الطوارئ، واستقرار البيئة التشغيلية المحيطة بالمطار.
وبناءً على هذه الدراسات قد تقرر شركة التأمين:
- إصدار التغطية التأمينية بصورة طبيعية.
- رفع أقساط التأمين بسبب ارتفاع المخاطر.
- فرض شروط تشغيل إضافية.
- استثناء بعض المخاطر من التغطية.
- أو رفض إصدار التغطية بالكامل.
وفي هذه الحالة قد تكون شركة الطيران راغبة في التشغيل، لكن غياب التغطية التأمينية أو ارتفاع تكلفتها يجعل التشغيل غير ممكن اقتصاديًا.
ماذا عن الطائرات المسيّرة؟
أصبحت الطائرات المسيّرة خلال السنوات الأخيرة أحد أهم عناصر تقييم المخاطر في صناعة الطيران، خاصة بعد استخدامها في استهداف مطارات ومنشآت مدنية في عدد من مناطق النزاعات.
لكن من المهم توضيح نقطة يغفل عنها كثيرون.
فالسؤال الذي تطرحه شركات الطيران وشركات التأمين ليس:
هل تستطيع المسيّرة الوصول إلى المطار؟
بل هو:
ما هو احتمال تعرض المطار لهجوم؟ وهل توجد منظومة قادرة على اكتشاف التهديد ومنعه أو الحد من آثاره؟
وقد يقال إن الطائرات المسيّرة تستطيع الوصول إلى بورتسودان أيضًا، وهذا صحيح من الناحية الفنية، بل إن المدينة تعرضت بالفعل لهجمات بطائرات مسيّرة خلال النزاع.
لكن صناعة الطيران لا تبني قراراتها على مجرد وجود قدرة نظرية على تنفيذ هجوم، وإنما على تقييم شامل يشمل:
- احتمال وقوع الهجوم.
- معدل تكراره.
- طبيعة الأهداف المستهدفة.
- كفاءة الإجراءات الأمنية.
- قدرة الدولة على إدارة المخاطر والاستجابة السريعة.
وهنا يكمن الفرق بين القدرة على تنفيذ التهديد (Capability) واحتمال تحقق التهديد (Probability). فقد توجد القدرة، لكن يبقى احتمال الاستخدام منخفضًا أو يمكن احتواؤه بإجراءات أمنية فعالة، وهو ما ينعكس مباشرة على تقييم شركات التأمين.
المجال الجوي… والمطار
ومن العوامل المهمة أيضًا عودة الحركة الجوية تدريجيًا إلى المجال الجوي السوداني، وارتفاع عدد رحلات العبور فوق الأجواء السودانية.
وهذا تطور مهم، لأنه يعكس تحسنًا في تقييم المخاطر المرتبطة بالمجال الجوي، ويؤكد أن شركات الطيران بدأت تستعيد ثقتها في استخدام الأجواء السودانية.
لكن يجب التمييز بين أمرين مختلفين:
الأول هو سلامة عبور المجال الجوي (Overflight).
والثاني هو سلامة التشغيل إلى مطار معين (Airport Operations).
فقد ترى شركة الطيران أن عبور الأجواء السودانية أصبح آمنًا ومقبولًا، لكنها في الوقت نفسه ترى أن التشغيل إلى مطار الخرطوم يحتاج إلى تقييم مستقل يتعلق بأمن المطار ومحيطه، وجاهزية خدماته، والتغطية التأمينية الخاصة بعمليات الهبوط والإقلاع.
ولذلك فإن عودة رحلات العبور ليست نهاية الطريق، وإنما هي خطوة مهمة في طريق استعادة الثقة الكاملة.
لماذا بدأت العودة عبر بورتسودان؟
إن وصول الخطوط الجوية القطرية، ثم مصر للطيران إلى بورتسودان، لا ينبغي النظر إليه باعتباره تجاهلًا للخرطوم، وإنما باعتباره خطوة منطقية في إطار إدارة المخاطر.
فبورتسودان أصبحت خلال فترة الحرب المركز الإداري والدبلوماسي والاقتصادي للدولة، كما أثبتت قدرتها على استقبال وتشغيل الرحلات الدولية بصورة مستقرة.
وهذا منح شركات الطيران وشركات التأمين قدرًا أكبر من الثقة في بدء العودة إلى السودان عبر هذه البوابة، دون أن يعني ذلك استبعاد الخرطوم بصورة دائمة.
الثقة هي كلمة السر
إن عودة الرحلات الدولية إلى الخرطوم لن تتحقق بقرار سياسي، ولا بمجرد إعلان إعادة فتح المطار.
فالطيران المدني صناعة تقوم على الثقة، وهذه الثقة لا تُبنى بالتصريحات، وإنما بالوقائع.
وعندما تقتنع ثلاثة أطراف في الوقت نفسه، ستعود الحركة الجوية إلى الخرطوم بصورة طبيعية:
- سلطة الطيران المدني بأن جميع متطلبات السلامة والأمن قد استوفيت.
- شركات التأمين بأن المخاطر أصبحت مقبولة ويمكن تغطيتها.
- شركات الطيران بأن التشغيل أصبح آمنًا ومجديًا اقتصاديًا.
وعندها ستعود الخرطوم إلى شبكة الطيران الدولية كما عادت مطارات كثيرة في العالم بعد انتهاء النزاعات.
فالهدف في صناعة الطيران ليس الوصول إلى صفر مخاطر، فهذا أمر غير موجود حتى في أكثر مطارات العالم أمانًا، وإنما الوصول إلى مستوى من المخاطر يمكن إدارته والسيطرة عليه وفقًا للمعايير الدولية.
وهذا هو المعيار الحقيقي الذي يحكم قرارات شركات الطيران وشركات التأمين، وهو أيضًا الطريق الذي سيقود، عاجلًا أم آجلًا، إلى عودة الرحلات الدولية المنتظمة إلى مطار الخرطوم.
