أسامة وأبو عمامة.. أسرار الصفقة المجهضة في شهرها التاسع

في منتصف شتاء عام 2020، كانت ثمة جلبة محدودة تسري داخل مقر لجنة إزالة التمكين بشارع الجمهورية، هبط مقرر اللجنة صلاح مناع من سيارة فارهة كان قد صادرها للتو من أحد رجال الأعمال، مرتدياً ربطة عنق زرقاء ومُتأبطاً حقيبة يد من جلد البقر، تضم في أحشائها ملفاً جديداً يخص أسامة داؤود. قبالته تماماً، كان وجدي صالح يجلس متفحصاً بعض الأوراق، وهو يهمهم على طريقته الشهيرة: “ولكم أن تتخيلوا!”.

استعرض مناع أمام أعضاء اللجنة ملفات شركة “دال” وميدان الجولف، ناصحاً بتدوين بلاغات جنائية في تعديات طالت أراضي واستثمارات قدامى المحاربين في منطقة السليت، ومزارعي الأبقار وأحواض الأسماك في شرق النيل. لكن وجدي صالح وقف فجأة معترضاً، ممارساً “الفيتو التفكيكي”، رغم إصرار مناع على فتح البلاغ.

حكاية امبراطور الدقيق… كيف نجت أبقار أسامة داؤود بينما نُهبت قطعان الجزيرة؟

الطاهر ساتي يكتب: أُسامة داؤود ..!!

الهندي عز الدين يكتب: حكاياتي مع أسامة داؤود عبداللطيف

سريعاً، تحركت قوة أمنية نحو ميدان الجولف (Fenti Golf) بقيادة العقيد مأمون فيصل لوضع اليد على المساحة البالغة نحو 36 هكتاراً (360 ألف متر مربع)، والتي تمتد كواحة خضراء جنوب الخرطوم. ارتكزت القوة عند البوابة الرئيسية، لكن جريان الأحداث توقف فجأة، إذ ورد اتصال هاتفي حاسم من شخصية سيادية رفيعة يأمرهم بالتوقف والانسحاب فوراً!

لم تكن العلاقة يومها طيبة بين أسامة داؤود وآل دقلو، فكلاهما كان يتنافس على خدمة المصالح الإماراتية، ولعل التوجيهات صدرت للقوة بالانسحاب مباشرة من رئيس الوزراء حينها، عبد الله حمدوك. عقب تلك الليلة، لوحظ أن وجدي صالح قد لملم المستندات التي تخص أسامة وأخفاها بعيداً، فيما خفت حماس مناع، وانصبت الشراسة المفرطة للجنة على مدير شركة “سين” للغلال طارق سر الختم—أقرب المنافسين لشركة “سيقا”—ليتم تجريده من ممتلكاته بقوة باطشة، غير قانونية، ومحاولة اغتياله معنوياً تحت عدسات الكاميرات.

مجمع المقرن وهندسة التحالفات

نحن الآن في أواخر عام 2021، وقبل أن تتغير معالم العاصمة الخرطوم بفترة وجيزة، كان مجمع “المقرن” في قلب العاصمة يشهد بداية حقبة جديدة من المشروعات العابرة للحدود. هناك، شرع أسامة داؤود عبد اللطيف، رئيس مجلس إدارة “مجموعة دال”—أكبر تكتل تجاري للقطاع الخاص في البلاد—في وضع اللبنات الأولى لإطلاق مشروع سكني وفندقي متعدد الاستخدامات بارتفاع 16 طابقاً، وبكلفة بلغت 65 مليون دولار (240 مليون درهم إماراتي)، يضم 300 غرفة فندقية وشققاً سكنية ومرافق ترفيهية.

كان المشروع الكبير لآل داود وكفيلهم الجديد، إعلاناً صريحاً لنموذج جديد من الشراكات يقوم على التمدد والتوسع وشراهة الارتباط حتى تخوم ساحل البحر الأحمر. وقد صرح أسامة حينها بأن اختيار مجموعة «إيه. إس. جي. ستاليونز» (ASG Stallions) الإماراتية جاء لما تمتلكه من خبرة لتكون الشريك المثالي في هذه الخطوة الطموحة.

مع صفقة شراء زين السودان، بدأ نفوذ أسامة في التوسع، يبتلع الأرض والإنسان، يريد أن يهيمن على كل شيء، على طريقة أباطرة الكوكا كولا مع إسرائيل، وهنا لا تخفى آثار لوبيهات خفية، أثرهم مثل أثر الفراشة لا يرى ولا يزول. هنالك أيضاً مشروع “الواحة” الزراعي (40 ألف فدان)، تعود جذوره إلى عهد الرئيس جعفر نميري، حين تم التأسيس لبنية تحتية زراعية متكاملة بموجب منحة وقرض كويتي مقترن بالعمارة الكويتية الشهيرة تقريباً، بتكلفة أصولية تتجاوز 500 مليون دولار كقيمة حقيقية للأرض والتجهيزات. وفي تحول لافت خلال عهد والي الخرطوم الأسبق عبد الحليم المتعافي، جرى تخصيص هذا المشروع الجاهز بشرايين ريّه وطلمباته لصالح أسامة داؤود، وكذلك ملاعب الجولف على حساب الغابات، لتنتقل تركة تمويل دولي عام إلى قطاع خاص محدد.

تمددت الرقعة لتصل إلى مشروع زراعي آخر يمتد على مساحة 50 ألف فدان، يُدار بواسطة أسامة داؤود لصالح كيانات وشخصيات إماراتية نافذة، ترتبط أيضاً مع استثمارات الشيخ طحنون بن زايد. والمثير في هذا الملف هو قدرة المشروع على مواصلة الإنتاج والعمل والتأمين اللوجستي الميداني رغم التعقيدات الأمنية والظروف التي شلت معظم القطاعات الإنتاجية بالبلاد.

تجمعت هذه الأصول والأنشطة التجارية والزراعية تحت غطاء مالي جديد عابر للحدود يُدعى شركة إنفيكتوس للاستثمار (Invictus Investment)، والتي أُدرجت في سوق أبوظبي للأوراق المالية لتكون الذراع الاستثماري واللوجستي المباشر، حيث تولى أسامة داؤود رئاسة مجلس إدارتها.

في منتصف ديسمبر 2025، اكتمل أحد أهم خيوط المشهد، إذ أعلنت الشركة العالمية القابضة (IHC)—أكبر كيان استثماري في أبوظبي— ضخ 420 مليون درهم (114.4 مليون دولار) لشراء حصة إضافية بنسبة 17.5%، لترفع إجمالي حصتها في “إنفيكتوس” إلى نحو 40%. وكانت الصفقة إعلاناً عن تحالف استراتيجي كامل يقوده من جانب IHC مديرها التنفيذي سيد بصر شعيب، إلى جانب أسامة داؤود، لتأمين سلاسل التوريد والسلع الزراعية والخدمات اللوجستية وتغذية مصانع مثل “سيقا”، والتوسع في أكثر من 65 دولة.

الصفقة الكبرى والتصدي الجسور

في ديسمبر 2022، تجسد هذا الربط في صفقة استثمارية ضخمة بقيمة 6 مليارات دولار لتطوير ميناء «أبو عمامة» والمنطقة الاقتصادية شمال بورتسودان، بتحالف جمع بين مجموعة “دال” ومجموعة “موانئ أبوظبي” وشبكة “إنفيكتوس”.

لكن وتيرة الأحداث سرعان ما اشتعلت مع الموقف الشجاع للأمين العام السابق للمجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية، د. منى علي محمد أحمد؛ إذ سجلت اعتراضها بقوة داخل اللجنة العليا للمشروع برئاسة الفريق إبراهيم جابر. تفاجأت د. منى بأن اللجنة كانت على وشك التوقيع والبصم النهائي على المشروع، فأبدت استغرابها الشديد كيف تتم الموافقة على خطوة بهذه الخطورة دون دراسة أثر بيئي!
كان الاتفاق الأولي يمنح عقد الامتياز لشركة “موانئ دبي” في منطقة “أبو عمامة” لمدة 88 عاماً—وهو ما يعتبر تنازلاً صريحاً عن حقوق الأجيال القادمة وتفريغاً للسيادة الوطنية. ينطوي المشروع على منح آلاف الأفدنة من الأراضي الزراعية والمراعي الممتدة من ولاية نهر النيل حتى الساحل لاستغلالها دون قيود، مع احتكار الطرق البرية وحظر استثمارها وطنياً، فضلاً عن اعتماد العمالة الأجنبية وإقصاء الكوادر السودانية.

وإلى جانب هذه الأضرار الاقتصادية، كان المشروع يهدد بكوارث بيئية جسيمة بوقوعه في حرم “محمية دونقناب” النادرة، مما يعني تدمير تنوعها الإيكولوجي الذي تعتمد عليه مجتمعات المنطقة في كسب عيشها، بالتوازي مع ضرب المرافئ الوطنية السيادية عبر إحداث شلل تام لميناء ومطار بورتسودان لحساب الميناء والمطار والمنطقة الصناعية الخاصة بالمشروع. والأخطر من ذلك أن الصفقة كانت ترتقي إلى مساس مباشر بكيان الدولة واقتطاع أراضيها لصالح نفوذ خارجي يتجاوز حدود الاستثمار ليفرض واقعاً شبيهًا بإمارة مستقطعة داخل الأراضي السودانية، وما يحقق في نهاية الأمر مشروع إسرائيل في البحر الأحمر.

الخطة (ب) التخلص من الجميع

من هنا بدأت تتخلق مؤامرة الإطاحة بالأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة، وتهديدها بالعزل، لكنها أصرت على موقفها الصلب. ومع اندلاع الحرب خلال أشهر قليلة، تحركت الأيادي الخفية داخل مؤسسات الدولة؛ ورغم إلغاء الصفقة رسمياً لاحقاً، إلا أنه تم التخلص من دكتورة منى إنتقاماً من مواقفها الوطنية الشجاعة.. في تلك الأثناء، كان أسامة داؤود ينتظر أن تثمر تحركاته بوضع اليد على منطقة جيواستراتيجية حساسة لطالما سعى شركاؤه للوصول إليها واختراقها بحيل مختلفة… وهنا تحديداً، ولما انسدت الطرق، لَجَأ الوكيل الممول للحرب إلى “الخطة ب” التخلص من الجميع”!
نواصل

Exit mobile version