لقمة مغموسة بالقهر.. «مطارات السودان» بين ضغوط المعيشة ومواثيق «الإيكاو»

في بلدٍ أنهكته الحرب وأثقلت كاهل مواطنيه أعباء النزوح وارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة الوطنية، لم يعد الحديث عن الأجور وتحسين شروط الخدمة ترفاً إدارياً أو مطلباً قابلاً للتأجيل. إنه حديث عن الكرامة الإنسانية والقدرة على توفير لقمة العيش.
داخل شركة مطارات السودان المحدودة تبدو الأزمة أكثر إيلاماً. فالعامل الذي يقف خلف تشغيل المطارات وخدمة المسافرين وتأمين حركة الطيران يجد نفسه أمام راتب لم يعد يواكب أبسط متطلبات الحياة اليومية. وفي المقابل تتصاعد مطالب العاملين بتحسين الأجور وتعديل شروط الخدمة بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي القاسي.

ظافر طارق يكتب:المطار الذي تركناه… ولم يتركنا

وقفة احتجاجية مرتقبة لعاملي مطارات السودان صباح الخميس
المشكلة لا تتوقف عند حدود الراتب. فحين يشعر الموظف بأن صوته لا يُسمع وأن المطالبة بحقه قد تضعه تحت ضغط إداري أو تهديد أو مساءلة فإن الأزمة تنتقل من أزمة مالية إلى أزمة ثقة داخل المؤسسة.
وهنا تبرز أهمية الحديث عن ثقافة السلامة في قطاع الطيران. فـمنظمة الطيران المدني الدولي تؤكد في منظومة إدارة السلامة على أهمية البيئة المؤسسية التي تمكن العاملين من الإبلاغ والتعبير عن المخاطر والمشكلات دون خوف من الانتقام أو العقاب غير المبرر.
لكن من الضروري التمييز بين مفهوم Just Culture وبين قضية الأجور مباشرة. فالمراجع الدولية للسلامة لا تضع راتباً محدداً للعاملين ولا تعني تلقائياً أن انخفاض الأجور يمثل خرقاً مباشراً لـ Annex 19 أو Doc 9859. إلا أن العلاقة بين رفاه العاملين والضغوط المهنية والعوامل البشرية وأداء السلامة تظل قضية جوهرية في صناعة الطيران.
فالعامل الذي يعيش تحت ضغط اقتصادي ونفسي مستمر يحتاج إلى مؤسسة تستمع إليه وتتعامل مع مطالبه بمهنية وعدالة. والطيران بطبيعته صناعة لا تحتمل ثقافة الخوف أو إخفاء المشكلات.
الأخطر من ذلك أن تتحول المطالبة بالحقوق إلى مواجهة بين الإدارة والعاملين. فالمؤسسة الناجحة لا ترى في الموظف المطالب بحقه خصماً لها بل شريكاً في استمرارها وتطورها.
إن شركة مطارات السودان المحدودة ليست مؤسسة عادية. إنها جزء أساسي من منظومة الطيران المدني السوداني وواجهة من واجهات الدولة ومرفق يرتبط مباشرة بحركة السفر والتجارة والاقتصاد والسيادة الوطنية.
ولهذا فإن إصلاح أوضاعها لا ينبغي أن يبدأ من الصالات والمدارج فقط. بل يجب أن يبدأ من الإنسان الذي يشغّل المطار.
العامل الذي يفتح أبواب المطار قبل وصول المسافرين ويغلقها بعد مغادرتهم يستحق أجراً يحفظ كرامته. والموظف الذي يتحمل ضغوط العمل في ظل ظروف استثنائية يستحق بيئة مهنية عادلة. والكادر الذي يرفع صوته مطالباً بحقوقه يستحق أن يُسمع صوته لا أن يُقابل بالترهيب.
إن تحسين الأجور ومراجعة شروط الخدمة ليستا منّة من الإدارة على العاملين. بل هما جزء من مسؤولية المؤسسة تجاه مواردها البشرية واستدامة أدائها.
أما استخدام السلطة الإدارية لإسكات الأصوات المطالبة بالحقوق أو تحويل الخلافات المهنية إلى أدوات للضغط فإن نتيجته لن تكون استقرار المؤسسة بل تآكل الثقة داخلها.
مطارات السودان تحتاج إلى إعادة بناء شاملة. نعم للمدارج الحديثة. نعم للصالات المتطورة. نعم للأنظمة والتقنيات الحديثة. لكن قبل كل ذلك هناك حاجة إلى إعادة بناء العلاقة بين الإدارة والعاملين على أساس العدالة والشفافية والاحترام المتبادل.
فالطيران لا تحمله الطائرات وحدها.
يحمله الإنسان.
وإذا كان العامل عاجزاً عن توفير أبسط احتياجات أسرته فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه الإدارة ليس: لماذا يطالب العاملون؟ بل:
كيف وصل العامل إلى مرحلة أصبح فيها راتبه عاجزاً عن شراء لقمة كريمة؟
إنقاذ المؤسسة يبدأ من إنقاذ الإنسان الذي يعمل فيها. وحين يشعر العامل بأن كرامته مصانة وحقوقه محفوظة وأن صوته مسموع فإن ذلك لا يخدم العامل وحده بل يخدم سلامة الطيران واستقرار المؤسسة ومستقبل مطارات السودان كلها.

بقلم: هند عمر أبوقناية
Exit mobile version