سيف الدولة حمدناالله يكتب: وداعاً التضليل في كتابة التأريخ !!

وداعاً التضليل في كتابة التأريخ !!

سيف الدولة حمدناالله

بفاصل إسبوع واحد طالعت إفادتين من جنس الأقوال التي من الممكن أن يتشكّل بها تأريخ الوطن وتصبح حقائق تُطالعها أجيالنا القادمة. الإفادة الأولى لصاحبها مبارك أردول، عقد فيها مقارنة بين المشير البشير والفريق البرهان، قال فيها بالنص: “البشير أسس الدعم السريع والبرهان هزمه وفكّكه”.

لا جدوى من ذم النائب العام المعزول !!

هذا تضليل عمدي وإجتزاء للحقائق، فشطر العبارة صحيح، ذلك أن البشير هو الذي قام بتأسيس الدعم السريع، ولكن الصحيح أيضاً أن البرهان هو الذي أكمل مشوار الخطأ الذي إرتكبه البشير، فالبرهان هو الذي عدّل القانون الذي خلق من الدعم السريع قوة مستقلة غير خاضعة للجيش، وهو الذي قام بإجلاء الوحدات العسكرية من مقارها وتسليمها بأسلحتها ومعداتها للدعم السريع، وأطلق يد الدعم السريع في التسليح والتجنيد، والبرهان هو الذي منح الدعم السريع السلطة والنفوذ بأن “الحّ إلحاحاً” على قائد الدعم السريع – بحسب تصريحه الشخصي – بقبول منصب نائب رئيس مجلس السيادة، وأخيراً البرهان هو الذي خطّط ودبّر ونفّذ بالتعاون والتنسيق مع قائد الدعم السريع الإنقلاب على الحكم المدني.

التصريح الثاني، وصاحبه مني أركو مناوي، نُشر على مقطع مصور في لقاء بحضور صحفيين، قال فيه، أن بطرفه معلومة وصفها بأنها “سرية”، مفادها أن ثورة ديسمبر عندما دخلت مرحلة إعتصام القيادة، أصبحت عمل منظّم و”مُمَوّل” من الخارج الذي أنفقت عليه جهات أجنبية أموالاً ضخمة في شراء الأكل الفاخر ونصب الخيم و”الصرف الصحي” -هكذا قال- وزعم بأن الأجانب تدخلوا حتى في إختيار المتحدثين في منصة الإعتصام. إنتهى كلام مناوي.

هذه ضلالات لا تضليل، والضلالات حالة مرضية ترادفها في اللغة عبارة “التهيؤات”، فالشخص الذي يصوِّر له عقله بأن لديه معلومة سرية حول مسألة تتعلق بمثل واقعة الإعتصام التي شهدها ملايين غيره من بينهم أعداء وخصوم للثورة، ولا تكون المعلومة صحيحة ولم ترد على لسان أحد غيره، مثل هذا الشخص تلزمه مقابلة الطبيب. ثم أن منّاوي عندما إندلعت الثورة ونُصِب الإعتصام أمام القيادة، كان حينذاك يتنقل بين معسكرات جنوده في دارفور، بينما فصائل من قواته كانت تقاتل في ليبيا بغرض الحصول على عوائد تعينه على إسقاط حكومة البشير، والذين أسقطوا حكم البشير هم أصحاب الفضل على مناوي في أن جعلوه يحضر للخرطوم ويتم تنصيبه حاكماً على إقليم دارفور، بعد أن حققوا ما عجز عنه أركوي وغيره من الحركات المسلحة في حربهم ضد الإنقاذ لأكثر من عشرين سنة.

ولا ينتهي الحديث قبل أن نتوجه بالسؤال لمنّي أركوي: ما هو الدليل على صحة هذه المزاعم؟ وما هي هذه الجهات الخارجية؟ ومن كان يقبض منها تلك الأموال؟ وما هي الكيفية التي كانت تنفق بها على المعتصِمين؟

من حظ أجيالنا القادمة، أنهم لن يستقوا وقائع التأريخ من الكتب المدرسية كما فعلت أجيالنا ومن سبقونا، فقد يسّر التطور العصري للأجيال القادمة أن جعلهم يقفون على الحقائق كما هي وبالصوت والصورة وبنقرة على منصات البحث، بعد أن كانت كتب التاريخ المدرسية تقوم بتدوين وقائع التاريخ على النحو الذي يُدخل البهجة والحبور لمن يطّلع عليها، فبدّلت الهزائم لإنتصارات والفشل لنجاح، ومجّدت سرديات التاريخ الفاشلين في دنيا السياسة، ورفعت من قدر الذين سلّموا الحكم المدني للعسكر وتسبّبوا بأفعالهم في التفريط بالحكم الديمقراطي، ورسّخت في عقول أجيال متعاقبة عقيدة راسخة حول أحداث وشخصيات، حتى أضحي من يحاول المجاهرة بتكذيب ما ورد من سرديات حولها أو حتى مناقشتها في عداد الخارجين عن المِلّة ويتعرض للتنمر والإساءة وربما التكفير، وهو السبب الذي جعل تاريخ بلادنا يمضي هكذا دون تصحيح أو مناقشة من أصحاب الرأي والفكر في السودان.

Exit mobile version