سهيرعبدالرحيم تكتب: الرجال في الفشقة

خلف الأسوار
سهيرعبدالرحيم
الرجال في الفشقة

هذا المقال كتبته قبل اندلاع الحرب بخمسة عشر يوماً، عند زيارتي للجيش في الفشقة يوم 9رمضان، الموافق 5 أبريل 2023….أعيد نشره بمناسبة عيد الجيش.

تناولتُ وجبة إفطاري الرمضاني يوم الجمعة 9 رمضان داخل معسكر قوات الشعب المسلحة بمنطقة القريشة، على تخوم الحدود مع دولة إثيوبيا.

سهير عبد الرحيم تكتب: والي الخرطوم….كيف كانت…وكيف صارت؟

وصلتُ ورفاقي إلى ساحة الحامية نهاراً، تجولنا داخل المعسكر، بين الدبابات والمدافع والخنادق وسلاسل الرصاص المعقود على ألوية الحسم.

الوجوه الصارمة، والقاشات المكروبة، والأيادي المعروقة، وهيبةالكاكي، تخبرك أن هؤلاء هم الرجال.

دخلتُ الخندق معهم، وشمس أبريل الحارقة تصقل بشرتهم الأبنوسية خشونةً وقوةً.

هممتُ بالصعود إلى جوارهم في”التاتشرات”،أختل توازني للحظة، فوجدتُ عشرات الأيادي تمتد سنداً ومتّكأً ورفقاً؛ لايسقط أحد هناك، فتلك بقعة الرفعة والتماسك والصمود.

اجتهدتُ لاحقاً في محاولات فاشلة ل(عواسة) عصيدة الدخن المُرّ، طعام الجنود، التي يصعب الإمساك ب (مفراكتها) ناهيك عن تذوقها.

جنودنا في الحدود يأكلونها ولسان حالهم يقول:” اسقنٍي بالعز طعم الحنظل”…ألا لعنة الله على مندي ومظبي وبرياني السفارات.

عزيزي القارئ،جنودك في الفشقة شُعثٌ غُبرٌ، تاهت من وجوههم علامات الراحة، وخطّت القفار والشمس والحشائش اليابسة ملامحهم.لا يعرفون ماذا تعني كلمة سرير ووسادة وغطاء، كما لا يعرفون معنى جهاز تكييف الهواء.

ينامون بنصف عين؛ فالعينين إحداهما مفتوحة ونصف الأخرى على الزناد، يتوسدون صفقّ الأشجار، ويستلقي جسدهم بجانب الأشواك، وأفلام بوليوود وهولييود التي يتابعونها ليست سوى لسعات كل أنواع الحشرات الزاحفة والطائرة.

ولا بأس إن قام أحدهم للوضوء أن يُبعد ثعباناً كان مختبئاً داخل بوته، أو يهشّ على عقرب كانت تقبع أسفل برميل صفيح يشرب منه هو والصدأ معاً، ولاعزاء للمياه المعدنية و”صافية”وأخواتها في ورش (اليونتامس).

أكرموا مقدمنا بشراء مياه صحيةٍ لنا؛ فمعدتنا وجهاز مناعتنا تعوّدا على التنقية والفلترة في خرطوم البؤس والزيف والعار، أما معدتهم فلسان حالها يقول: نشرب أن وردنا الماء صفواً، ويشرب غيرنا كدراً وطيناً.

جنودنا هناك يبدأون يومهم بتمارين القوة والجسارة، ويعقدون على نواصي قلوبهم وصيتهم لإخوانهم وأبناءهم؛ فالموت هناك ضيفٌ أصيل وثقيل، يتكئ على الجانب الآخر من الحدود،يشرع بندقيته تجاه صدور جنودنا ،فلا يفرّون ولا يولّون الدبر، ولا يعرفون غير الإقدام مطمحاً وعقيدةً، فيتثاءب الموت أمام صمود الرجال.

رجال الفشقة يؤمنون بأن توضيب البندقية،ونظافة الدبابة،وحشو الرصاص، بمثابة قهوتهم في مطعم”أوزون”الخرطوم.

يرصّون مدافعهم في الخنادق، بينما يتسكع آخرون في شارع النيل، ويتأكدون من حزم قاشاتهم، بينما يتخلى عنها آخرون في مزادات السفارات.

يغسلون وجوههم من ترعة، فتزيل المياه نصف التراب عن وجوههم، و يتركون الباقي لتمويه رصاص الأعداء، بينما يستلقي ( سكّير ) في (جاكوزي) كورنثيا، وهو يطالب بإعادة هيكلة هذا الجندي.

طعامهم بليلة وعدس، لايعرفون السوشي ولا الاستيك بالفطر ولا شوربة المشروم. يعلمون أن السَلطة هي البصل، ولا عزاء لشيفات روتانا الذين يجتهدون في وضع ستة عشر نوعاً من السلطات في بوفيه الفندق.

يقيمون صلاتهم بتكبيرة الخشوع، ويركعون حمداً لله على نعمة أنهم رجال، ويسجدون وجباههم تناطح عنان السماء فخراً وعزاً بحمايتهم للحدود والوطن والعرض.

الرجال في الفشقة،وليس الذين يصفقون لفولكر

الرجال في الفشقة، وليس الذين يستدعون البعثة الأممية لتمكنهم من الكراسي.

الرجال في الفشقة، وليس الذين يقيمون ويتقيؤون كرامتهم في منزل السفير السعودي.

الرجال في الفشقة، وليس الذين يفطرون رمضان في شارع ( زيرو) مع السفير الأمريكي.

الرجال في الفشقة، وليس الذين يشربون الخمر ليلة السبت مع السفير البريطاني.

الرجال في الفشقة،وليس الذين يرقصون على إيقاع “واحدة ونص”في القنصلية المصرية.

خارج السور:

في الفشقة نمنا مطمئنين أن أسوداً تحرسنا، رغم وجود عصابات الشّفته الإثيوبية على الجانب الآخر. أما في الخرطوم فننام على القلق، رغم أن منازلنا تبعد بضع كيلومترات عن القصر الجمهوري…!!

الأمان ليس في الموقع الجغرافي لك،
ولكن فيمْن يحرسك ….!!!

#سهيرعبدالرحيم
#السودان
#جيش
واحدشعبواحد
#الدعمالسريعمليشيا_ارهابية

Exit mobile version