لا أعرف على وجه الدقة لماذا تتداعى إلى ذهني صورة سودانير كلما استمعت إلى أغنية «عطبرة» التي صاغ كلماتها الشاعر جمال عبدالرحمن وأبدعت فرقة عقد الجلاد في تقديمها. ربما لأن العراقة تجمع بينهما؛ فعطبرة مدينة موغلة في التاريخ، وسودانير مؤسسة تجسد العراقة السودانية في أبهى صورها، حتى أصبحت رمزاً من رموز الوطن وذاكرته الحية.
و ثمة رابط آخر أراه أكثر عمقاً بين عطبرة وسودانير، هو رابط النضال و الصمود.
فعطبرة، مدينة العمال و السكك الحديدية، عُرفت بشخصيتها الثورية الرافضة للاستعمار و الظلم و الشمولية.
هي المدينة التي صدح فنانها الكبير حسن خليفة العطبراوي بأغنيات الوطن و الكبرياء، والتي ردد فيها: «يا غريب يلا لبلدك»، فصارت جزءاً من الوجدان السوداني. و قد كتبت عطبرة عبر تاريخها صفحات مشرقة من المقاومة والثبات، وحاولت أنظمة عديدة إخضاعها وكسر إرادتها، لكنها ظلت واقفة كالنخلة في وجه الرياح، تستمد قوتها من أهلها ومن تاريخها الممتد.
سودانير تعيد فتح مكتب الحجز الرئيسي بالخرطوم
و سودانير بدورها خاضت رحلة لا تقل مشقة. فعلى مدى أكثر من ثمانية عقود ظلت الناقل الوطني للسودانيين ورمزاً لحضور السودان في السماء. تعرضت لأزمات وحروب وحصار ومنافسة شرسة، وكثيراً ما بدت وكأنها على وشك الهبوط الاضطراري الأخير، لكنها كانت في كل مرة تعود إلى التحليق من جديد، محتفظة بمكانتها في وجدان الناس، لا كشركة طيران فحسب، بل كجزء من الهوية الوطنية.
وإذا كانت عطبرة هي «محطة الوطن الكبير» كما وصفها جمال عبدالرحمن، فإن سودانير أيضاً محطة الوطن الكبير وقلبه النابض. فما من سوداني إلا ويحمل شيئاً من عشق عطبرة، مدينة الحديد والنار، المدينة التي صنعت الوعي والنضال. وبالقدر نفسه يحتفظ السودانيون بمودة خاصة لسودانير، لأنها لم تكن مجرد وسيلة سفر، بل كانت جسراً يصل أطراف الوطن ببعضها، ونافذة يطل منها السودان على العالم.
أسعار تذاكر الطيران من بورتسودان تحت المجهر.. سودانير تتفوق وفارق الأسعار يتسع في رحلات العودة
وحين أستمع إلى مقاطع الأغنية التي تحكي عن الرحيل والهجرة، أشعر أنها تلخص جانباً كبيراً من قصة السودان الحديثة. أجيال متعاقبة حملت حقائبها وغادرت بحثاً عن حياة أفضل، بينما ظل الوطن يدفع فاتورة الهجرة الباهظة عاماً بعد عام. يقول الشاعر:
«من قمت من بيتنا ومشيت
بطاقتي صورة مصغرة
شايل معاي شنطة صفيح
حزمة هموم…»
إنها ليست حكاية فرد واحد، بل حكاية شعب بأكمله. حكاية أطفال كبروا قبل أوانهم، وشباب حملوا أحلامهم على متن القطارات والطائرات، وأسر دفعتها الظروف إلى الرحيل من مكان إلى آخر. الهجرة في الأغنية ليست حدثاً عابراً، بل دورة مستمرة تشبه الساقية التي لا تتوقف عن الدوران.
ولعل أكثر ما يلامس القلب في النص أن الشاعر يربط بين الهجرة والذاكرة. فالمسافر الذي بهرته صورة عطبرة وهو طفل، ظل يحملها معه أينما ذهب. تماماً كما يحمل كثير من السودانيين صورة سودانير في ذاكرتهم، حتى وإن لم يسافروا على متنها منذ سنوات طويلة. كلاهما يمثل جزءاً من الحنين؛ حنين إلى زمن كان الوطن أكثر اتساعاً، وكانت الأحلام أكثر بساطة.
ورغم كل ما يقال عن وطنٍ طاردٍ لأبنائه، ورغم الأزمات التي لا تنتهي، تظل هناك أشياء جميلة تمنحنا سبباً إضافياً للتشبث بالسودان. تظل عطبرة رمزاً للصمود والكبرياء، وتظل سودانير رمزاً للعزة الوطنية والإصرار على البقاء. كلاهما يروي قصة وطن جريح، لكنه لم يفقد قدرته على النهوض.
ولهذا ربما لا تبدو المقارنة بين عطبرة و سودانير غريبة كما قد يظن البعض؛ فكلتاهما حكاية نضال طويلة، و كلتاهما جزء من ذاكرة السودانيين، و كلتاهما تؤكد أن ما يبقى في النهاية ليس المباني ولا الطائرات، بل المعنى الذي تتركه الأشياء في وجدان الناس.
و أخيراً، ثمة خيط جميل يربط بين عطبرة و سودانير عبر اسم واحد هو حسن خليفة العطبراوي.
ذلك الفنان الذي تغنى للوطن و أشعل في النفوس جذوة الانتماء، ترك إرثاً وطنياً ما زال حاضراً حتى اليوم.
ثم جاء ابنه خليفة حسن خليفة ليترك بصمته الخاصة في سودانير، في تلاقٍ رمزي بين مدينته العريقة وناقل الوطن العريق.
و لو كان الأمر بيدي لأصدرت قراراً بتعيين خليفة حسن خليفة العطبراوي سفيراً لسودانير ووجهاً من وجوهها المشرقة؛ فهو عطبراوي أصيل يحمل إرث مدينة النضال والصمود، وسودانيراوي أصيل ارتبط اسمه بمؤسسة ظلت تمثل وجدان السودانيين لعقود طويلة. وبين عطبرة و سودانير يبقى الوطن هو القاسم المشترك الأكبر، وتبقى الحكاية حكاية شعب لا ينكسر مهما اشتدت عليه الرياح.شعب يأمل في وطن شامخ.
طيران بلدنا
