أبشر حسين يكتب: ليلة من ليالي أمدرمان… عندما قادنا صوت خليل إسماعيل إلى عرس بحى الضباط

ليلة من ليالي أمدرمان… عندما قادنا صوت خليل إسماعيل إلى عرس بحى الضباط

أبشر حسين

في أواخر السبعينيات، ونحن نستعد لامتحان الشهادة الثانوية، كانت أيامنا موزعة بين المذاكرة والراحة، وبين الجد والاجتهاد وبعض لحظات الهروب الجميل من ضغط الدراسة.

كان ذلك اليوم يوم خميس، وكانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساءً. وبعد ساعات من المذاكرة، أخذنا بريكًا للعشاء في دكان ترنتي، ثم خرجنا عائدين إلى معسكر المذاكرة، ونحن نحاول أن نستجمع ما بقي لنا من تركيز وهمّة.

أبشر حسين يكتب: ذكريات المولد النبوي في أم درمان.. رحلة مع والدي بين الخيام والمناقب

لكننا، ونحن في طريق العودة، سمعنا من بعيد صوتًا لا يمكن أن تخطئه الأذن؛ كان صوت فنان الفنانين خليل إسماعيل وهو يصدح بأغنيته الجميلة جبل مرة

توقفنا.

كان للصوت سحره، ولخليل إسماعيل قدرة عجيبة على أن يأخذك من المكان الذي أنت فيه إلى مكان آخر. وبدلًا من أن نواصل طريقنا إلى معسكر المذاكرة، اتبعنا الصوت، وكأن شيئًا خفيًا يقودنا إليه.

كلما اقتربنا، كان الصوت يزداد وضوحًا، إلى أن وجدنا أنفسنا في حي الضباط، بشارع الكوري. كانت العجاجة قد ملأت السماء، والحركة في المكان توحي بأن هناك عرسًا كبيرًا. وكعادتنا، لم نتردد كثيرًا؛ رفعنا الخيمة الورانية ودخلنا.

وهناك كانت المفاجأة!

وجدنا مجموعة من الأصحاب والأصدقاء وزملاء الدراسة الذين جمعتنا بهم سنوات طويلة؛ من أبو عنجة الابتدائية، وأبو كدوك العامة، والمؤتمر الثانوية. لم يكن المكان غريبًا علينا، بل كان أشبه بامتداد طبيعي لذكرياتنا وعلاقاتنا القديمة.

كان الجميع في قمة البهجة؛ بعضهم يرقص، وبعضهم يردد مع الفنان، وبعضهم اكتفى بالجلوس مستمتعًا بالطرب، ومن كانت عينه «زائغة» فقد وجد في تلك الليلة ما يشغل العين والقلب معًا!

كان العرس في حي الضباط شيئًا مختلفًا. أعراس حي الضباط لها طعم خاص؛ فأهل الحي قوم يحبون الطرب، ولهم ثقافة راسخة وباع طويل في عالم الغناء والموسيقى. ولذلك لم يكن غريبًا أن يتحول العرس عندهم إلى ليلة فنية كاملة، يعرف فيها الناس الأغاني ويحفظونها، ويتفاعلون معها وكأنهم جزء من الفرقة الموسيقية نفسها.

أما شباب الحي، فقد كانت تربطنا بمعظمهم علاقات قوية، إما عن طريق الدراسة أو الرياضة أو الجيرة والصداقة. كنا نلتقي في المدارس والملاعب والمناسبات، ولذلك كانت تلك الوجوه مألوفة وقريبة إلى النفس.

وهكذا، في تلك الليلة، وجدنا أنفسنا أمام خيار لم يكن يحتاج إلى تفكير طويل: المذاكرة يمكن أن تنتظر، أما خليل إسماعيل فلا!

تركنا معسكر المذاكرة جانبًا، وانضممنا إلى العرس، نغني ونصفق ونستمتع بالطرب حتى نسينا تمامًا أننا كنا قبل دقائق فقط نستعد لامتحان الشهادة الثانوية.

كانت تلك واحدة من ليالي أمدرمان التي لا تُنسى؛ ليلة تختلط فيها الدراسة بالصداقات، والعرس بالطرب، والشباب بالذكريات.

وربما كان أجمل ما فيها أننا لم نكن نعرف، ونحن نرفع الخيمة الورانية وندخل ذلك العرس، أننا كنا نصنع ذكرى ستبقى معنا عشرات السنين.

فبعض الليالي لا تحتاج إلى مناسبة عظيمة حتى تبقى في الذاكرة؛ يكفي أن يكون فيها أصدقاء العمر، وصوت جميل، وعرس أمدرماني، وقليل من شقاوة الشباب.

Exit mobile version