تبدو أهرامات مروي محاطة بمظاهر متراكمة من التدهور، إذ تزحف الرمال إلى محيط عدد منها وتتراكم على جوانبها، بينما تتجمع مياه الأمطار في المناطق المنخفضة وتتسرب إلى أجزاء منها، وتنمو الأعشاب بين الأحجار وحول قواعد الأهرامات. ويترافق ذلك مع تشققات في بعض الأحجار وتبلور للأملاح داخل الحجر الرملي، في مشهد يثير مخاوف بشأن سلامة أحد أبرز مواقع مملكة كوش الأثرية شمالي السودان، الذي يضم أكثر من 200 هرم.
“الأحجار تتساقط”.. أهرامات مروي بالسودان تواجه الانهيار
وتأتي هذه التطورات في وقت تعطلت فيه أعمال الصيانة المنتظمة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بينما شهد الموقع خلال عامي 2024 و2025 ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات الأمطار والرطوبة.
حجر نوبي يقاوم منذ قرون
تشير دراسات أثرية إلى تعرض الحجر المستخدم في بناء الأهرامات لعوامل التدهور منذ عصور قديمة. وتوضح ليلى عثمان عبيد، نائب مدير العلاقات الدولية بقطاع السياحة، أن الحجر النوبي الرملي المستخدم منذ القرن الرابع قبل الميلاد يشهد تغيرات مستمرة بفعل عوامل مناخية، مضيفة أن طبيعة المواد اللاصقة المستخدمة، وهي خليط من الجير والطمي والرمل، تجعل بعض مكونات الأهرامات أكثر عرضة للتشقق.
وبحسب عثمان، أدى ارتفاع معدلات الأمطار وتراكم الرمال حول الأهرامات خلال عامي 2024 و2025 إلى زيادة الرطوبة في الموقع، حيث تتغلغل مياه الأمطار إلى الطبقات الداخلية للأهرامات، ما يضعف تماسك البناء ويؤدي إلى تكوّن الأملاح داخل الأحجار وتسارع تفتتها.
الحرب تفاقم أزمة الحماية
ضاعفت الحرب من صعوبة التعامل مع هذه المخاطر، إذ فقدت الهيئة المعنية بالآثار عدداً من كوادرها بسبب النزوح والهجرة القسرية، وفق مدير إدارة الآثار محمود سليمان، الذي أوضح أن ذلك أثّر سلباً على قدرة الهيئة على تشكيل فرق منتظمة لمراقبة المواقع وصيانتها.
وتكشف حالة “الهرم رقم 19” عن جانب من هذه المخاطر، بعد انفصال أجزاء من واجهته الأمامية وبوابته عن جسم الهرم، نتيجة وقوعه في منطقة منخفضة تتجمع فيها مياه الأمطار. وأشار سليمان إلى أن فرق الآثار تعمل حالياً بجهود ذاتية على إنشاء مصارف مؤقتة للمياه، ريثما يتم التوصل إلى معالجة أكثر استدامة.
استجابة دولية محدودة
- نداءات عاجلة أطلقتها الهيئة قوبلت باستجابة دولية محدودة
- مشروع اليونسكو يواجه صعوبات مرتبطة بعدم استقرار التمويل
- ممارسات بشرية مثل التسلق والكتابة على الأحجار تزيد من التدهور
ولا تبدو مخاطر مروي معزولة عن محيطها، إذ يرى الصحفي أحمد سيف الإسلام أن مواقع أخرى مثل جبل البركل ونوري والنقعة والمصورات الصفراء تواجه تحديات مماثلة تتعلق بالأمطار والرياح والزيارات غير المنظمة، مضيفاً أن الحرب فاقمت هذه المخاطر عبر تعطيل أعمال المراقبة وتوقف المشروعات والبعثات الأثرية.
ولا تُعد مظاهر التدهور في أهرامات مروي وليدة اللحظة، إذ وثقت تقارير سابقة سقوط كتل حجرية من قمم بعض الأهرامات، كما تشير اليونسكو إلى تعرض الموقع تاريخياً لانهيارات في مقابره وأضرار فادحة خلال عمليات النهب في القرن التاسع عشر. إلا أن الفارق اليوم، بحسب القائمين على الموقع، يتمثل في تراجع القدرة الوطنية على التدخل السريع لحماية هذا الإرث التاريخي.
