عزمي عبد الرزاق يكتب: لماذا يستهدفون شيخ الزين؟

لماذا يستهدفون شيخ الزين؟

عزمي عبد الرازق

​في فجر الدعوة الإسلامية، اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ يوماً بمكة، وقالوا: “والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟”، فانتدب الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، نفسه لهذه المهمة الخطيرة. توجه عند الضحى إلى مقام إبراهيم، ورفع صوته العذب تالياً: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ}. وما إن أدرك المشركون أنه يتلو ما أنزل على محمد، حتى انهالوا عليه ضرباً وتعذيباً في وجهه وجسده. لكنه عاد إلى أصحابه والدماء تسيل منه وهو مبتسم، ثابت ثبات الجبال، قائلاً: “ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غداً”. فقالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون.

عزمي عبد الرزاق يكتب: وماذا عن حوار دقلو؟

​هذه الحادثة التاريخية، تتكرر مع شخصيات مختلفة، وعبر أزمنة مختلفة، فالاعتداء على حملة القرآن ورموز الدين يتخذ في كل زمان شكلاً يناسبه، قديماً كان التعذيب، الضرب الجسدي، واليوم تحول إلى “الاغتيال المعنوي” وتشويه السمعة وحديث الإفك، وتنفير الناس منهم، لأنهم يُسمعونهم ما يكرهون.

​ما يتعرض له القارئ الجليل الشيخ الزين محمد أحمد اليوم من حملات منظمة، متوقع وطبيعي بعد هزيمة مشروع التمرد، الذي تقف خلفه شياطين الإنس والجن، وبنظرة فاحصة، يتبين أن كل الصوتيات والمقاطع المروجة ضده هي محض فبركات مشبوهة، ومصنوعة بتقنيات “الذكاء الاصطناعي”، وتقف خلفها غرف مغلقة وممولة بسخاء.

بالأمس تواصلت مع الشيخ وسألته مباشرة عن ما يروج ضده، وقد أقسم لي أنه بريء من كل ما يُنسب إليه، وأنها أكاذيب لا أساس لها من الصحة، وقال بصريح العبارة ” لقد تعودت على ذلك، وربما يريد الله أن يكتب لي من الحسنات ما يشاء” وما كنت في حاجة لسؤاله، وأشهد أنني، وقد عرفته طويلاً، وسافرت معه كثيراً، ما وجدت فيه ما يشين، وكل ما يصدر منه طيب وزين، كاسمه تماماً، ومن المعلوم في الفقه والقانون أن “البينة على من ادّعى، واليمين على من أنكر”، وبالتالي يقع عبء اثبات تلك الدعاوى على من أطلقها ويروج لها بجهالة.. لكن تلك الغرف لا تبحث عن الحقيقة، تسعى لتثبيت التهمة عبر رمي الشبهات وتوظيف العاطفة لإحداث شرخ في المجتمع.

بالنسبة لي فإن ​الاستهداف لم يأتِ من فراغ، ولا علاقة له بأي قضايا أخلاقية مزعومة، بل هو استهداف سياسي وانتقامي بحت. يمكن تلخيص “جرائم” الشيخ الزين في نظر هؤلاء في القنوت والدعاء على حليفهم المعروف، جريمته الكبرى أنه قنت ودعا الله في محاريبه على مليشيا الدعم السريع (الجنجويد)، ووقف بصلابة مع ضحايا المليشيا الإرهابية في مجازر “ود النورة” و”السريحة”، ​مع إعلانه الواضح والصريح بدعم مؤسسات الدولة في وجه مؤامرات التفتيت. ولذلك أول ما قام به الأعداء نسف منزله بالكامل، ونهب المقتنيات وصور عائلته الخاصة وعرضها في مواقع التواصل الاجتماعي، وقد واجه كل ذلك صابراً محتسباً.

​ولعل الشيخ، بأدبه وتهذيبه وأعمال الخير التي يقف خلفها، يمثل رمزاً دينياً واجتماعياً يحظى بمحبة واحترام الملايين، ما يجعله عقبة أمام مشاريع طمس الهوية، وعلمنة الدولة، كما أنه أيضاً أسمعهم ما يكرهون.
​هذه الحملة السخيفة والمنحرفة تكاد تكون حلقة في سلسلة طويلة من محاولات اغتيال الشخصيات الدينية ذات الوزن والقيمة. الهدف الاستراتيجي هو تدمير أي رمزية إيجابية في المجتمع، وتيئيس الناس من قادتهم الروحيين، أو من يصلون خلفهم.

​لو تأملنا المشهد، سنجد أن هذه الحملات الممنهجة، التي تقودها غرف الذباب الإلكتروني ومنصات ملونة ومشبوهة، تدار في الخارج، قد استهدفت من قبل قائمة طويلة من العلماء والدعاة، منهم ​الشيخ محمد سيد حاج (رحمه الله) ​د. عبد الحي يوسف، ​د. محمد الأمين إسماعيل،​الشيخ محمد عبد الكريم، ​الشيخ عصام أحمد البشير.. ولو كان المقرئ صديق أحمد حمدون أو المقرئ نورين أحياء بيننا، لنالهم من هذا السوء المرسل نصيب.
​هل كل هؤلاء فاسدون؟ أم أن الحقيقة هي أن هنالك مشروعاً مدعوماً بملايين الدولارات كان يسعى لتعديل القوانين الشخصية، وتبديل المناهج، وإباحة المُحرمات، وإشاعة الانحلال والفوضى، وعندما وجدوا سداً منيعاً من هؤلاء الدعاة، وخلفهم السواد الأعظم من الناس، قرروا تصفيتهم معنوياً واحداً تلو الآخر؟

ثمة بُعد سياسي خبيث لهذه الحملة يتزامن مع مآلات الحرب، والحديث عن فترات انتقالية قادمة، وتحديداً انتصارات الجيش، والقضاء على مشروع الموساد في بلادنا، هناك محاولة لخلط الأوراق وإشغال الرأي العام، عبر دفع الناس للانقسام بين مدافع ومهاجم حول قضايا مفبركة، لتمرير أجندات سياسية أعمق. يحاولون من خلال ضرب الرموز الإسلامية كسر الحاضنة المجتمعية المؤيدة للجيش والمدافعة عن كرامة السودان، وإقناع البسطاء بأن القيادات الدينية فاسدة لتعبيد الطريق أمام جماعات سياسية معينة للعودة إلى المشهد، وما شيخ الزين ومحبة الناس له، تحديداً الشباب، وأعمال الخير التي يحث عليها، والخلاوى التي يرعاها ويدعمها، إلا بداية، وفي الوقت نفسه، لو صمت لتركوه، لكنها أسمعهم ما يكرهون.

Exit mobile version