من المراقبة الإجرائية إلى منظومة ATM الحديثة: سيناريو واقعي لعبور الملاحة الجوية السودانية “3”

من المراقبة الإجرائية إلى منظومة ATM الحديثة: سيناريو واقعي لعبور الملاحة الجوية السودانية “3”

إبراهيم عدلان

مقدمة لا بد منها

تشكل العبارة الإنجليزية Think Ahead — أي «فكّر إلى الأمام» — إحدى حجرات الزاوية التي بُني عليها صرح مهنة الطيران، وهي مهنة لا تحتمل الانتظار حتى تقع المشكلة ثم البحث عن الحل، بل تقوم بطبيعتها على استباق المخاطر، وقراءة المستقبل، والتخطيط قبل التنفيذ.

من المراقبة الإجرائية إلى منظومة ATM الحديثة: سيناريو واقعي لعبور الملاحة الجوية السودانية “2”

وقد يأخذ علينا البعض الإسهاب في الجانب النظري، أو يرون في محاولة تصور أفضل السيناريوهات لعبور الملاحة الجوية السودانية لهذه الظروف الاستثنائية نوعاً من التفاؤل الزائد. لكن التجربة تعلمنا أن أصعب الظروف هي أكثر الأوقات حاجة إلى التفكير المسبق والتخطيط السليم، لا إلى ردود الأفعال المتعجلة.

وقد علمنا المولى سبحانه وتعالى ضرورة التمييز بين من يسير بلا رؤية ومن يمضي على طريق واضح، فقال تعالى:

﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: 22]

ولعل هذه الآية تختصر فلسفة هذه الورقة كلها.

فإعادة تشغيل الملاحة الجوية في السودان في ظل الظروف الراهنة لا ينبغي أن تكون حركة عشوائية من إجراء إلى آخر، ولا انتظاراً لما قد يأتي من الخارج، ولا استسلاماً للظروف القائمة. بل يجب أن تكون مساراً مخططاً يبدأ من الممكن الآن، ويستشرف ما نحتاج إليه غداً، ويضع لكل مرحلة أدواتها ومواردها وسقفها الزمني.

ومن هنا يصبح التفكير القبلي والتخطيط السليم أهم أداتين في هذه المرحلة.

التفكير القبلي يعني أن نسأل قبل أن نبدأ:

ماذا نملك؟ ماذا نستطيع أن نشغل؟ ما المخاطر؟ ما البدائل؟ وما الذي يجب أن نبدأ في بنائه منذ اليوم؟

أما التخطيط السليم فيعني أن نحول هذه الأسئلة إلى:

أولويات واضحة، ومسؤوليات محددة، ومراحل متتابعة، وسقوف زمنية، ومصادر تمويل، ومؤشرات لقياس النجاح.

ولهذا فإن هذه الورقة لا تدعي امتلاك وصفة مثالية، ولا تفترض أن الظروف ستسير وفق أفضل السيناريوهات، وإنما تحاول أن تقدم سيناريو عملياً قابلاً للتنفيذ في أصعب الظروف؛ يبدأ بالمراقبة الإجرائية كحل سريع وآمن لاستعادة الخدمة، ويعمل في الوقت نفسه على إعادة الرادار ومصادر المراقبة، وصولاً إلى منظومة ATM حديثة ومستدامة.

فالقاعدة التي ننطلق منها هي:

Think Ahead — فكّر إلى الأمام.

ثم:

خطط قبل أن تبدأ، وابدأ بما تستطيع، وابنِ بالتوازي ما تحتاج إليه غداً.

ففي مهنة الطيران، كما في إدارة الأزمات، الطريق الآمن لا يُكتشف بعد الانطلاق؛ بل يُخطط له قبل أن نخطو الخطوة الأولى.

الجزء الثالث

نبدأ بالمراقبة الإجرائية… والرادار يأتي لاحقاً

هذا هو جوهر الورقة.

لا يجوز أن تصبح إعادة تشغيل الملاحة الجوية السودانية رهينة بانتظار الرادار أو منظومة ATM جديدة.

ولا يجوز أن نقول:

ننتظر الرادار ثم نبدأ.

أو:

ننتظر نظام ATM الجديد ثم نعيد تشغيل المجال الجوي.

بل:

نبدأ بما لدينا، ونشغل ما نستطيع تشغيله بأمان، ثم نبني ما نحتاج إليه لاحقاً.

أولاً: مركز تحكم آمن

تحتاج المرحلة الأولى إلى مركز تحكم جوي آمن في موقع غير معلن، باعتباره جزءاً من البنية التحتية الوطنية الحيوية.

ولا تكون الأولوية في هذه المرحلة لبناء مركز باهظ التكلفة، وإنما لتوفير الحد الأدنى الآمن والموثوق للتشغيل.

ويشمل:

مع:

  • HF عند الحاجة.

  • اتصالات أرضية.

  • كهرباء احتياطية.

  • UPS.

  • مولد.

  • وسائل اتصال بديلة.

  • ثانياً: المراقبة الإجرائية

    تبدأ الخدمة بالمراقبة الإجرائية Procedural ATC.

    وتعتمد على:

  • الممرات الجوية.

  • نقاط الإبلاغ.

  • مستويات الطيران.

  • إجراءات الفصل.

  • إجراءات الانتظار.

  • إجراءات فقد الاتصال.

  • إجراءات الطوارئ.

  • Flight Plans.

  • AIM/AIS.

  • NOTAM.

  • مراقبين مؤهلين.

  • وهذه ليست عودة إلى الماضي، وإنما استخدام لأبسط منظومة آمنة تستطيع إعادة المجال الجوي إلى العمل.

    ثالثاً: لماذا الإجرائي أولاً؟

    لأنه:

  • أقل تكلفة.

  • يمكن بناؤه من الإمكانات الموجودة.

  • لا يحتاج إلى انتظار معدات رادارية.

  • يعيد الكوادر إلى التشغيل.

  • يعيد الحركة الجوية.

  • يعيد الإيرادات.

  • يوفر خبرة تشغيلية ضرورية للمرحلة التالية.

  • والأهم:

    أنه يعيد السودان إلى السماء دون انتظار اكتمال مشروع تقني كبير.

    رابعاً: ثم يأتي الرادار

    بعد استقرار التشغيل الإجرائي، تبدأ مرحلة تطوير المراقبة.

    يتم تقييم:

  • ADS-B.

  • الاتصالات.

  • أنظمة المعالجة.

  • TopSky.

  • المعدات القابلة للإصلاح.

  • المعدات التي تحتاج إلى استبدال.

  • ثم يدخل الرادار تدريجياً وفق الحاجة والقدرة المالية والجاهزية الفنية.

    وهنا لا ننتظر الرادار كي نبدأ، بل:

    نبدأ أولاً، ثم يأتي الرادار ليطور ما بدأناه.

    خامساً: ثم يأتي ATM

    الأمر نفسه ينطبق على منظومة ATM.

    لا نحتاج في البداية إلى شراء أحدث نظام ATM.

    نبدأ بما لدينا:

    إجراءات + اتصالات + معلومات جوية + Flight Plans + مراقبين.

    ثم نضيف تدريجياً:

    Radar + ADS-B + Flight Data Processing + Automation + Decision Support + Flow Management.

    وبذلك يصبح الـATM نهاية لمسار التطوير، وليس شرطاً لبداية التشغيل.

    سادساً: BEJA وThales

    لا يعني هذا الاستغناء عن الموردين.

    يمكن الاستعانة بهم عندما نصل إلى مرحلة:

  • الأنظمة المتقدمة.

  • البرمجيات.

  • قطع الغيار.

  • التكامل.

  • التدريب.

  • لكن:

    لا ننتظر BEJA أو Thales حتى نبدأ.

    المورد شريك في مرحلة التطوير، وليس بوابة لعودة التشغيل.

    Exit mobile version