أمن الطيران بين القرار المعطل و نفوذ الظل.. من يملك سر القرار؟

طالعتُ، بكثيرٍ من الأسى الصامت والتدبر العميق، ما خَطّه قلم الاستشاري والمدير الأسبق لدائرة عمليات أمن الطيران، الأستاذ محيي الدين رأفت، في مقاله الرصين «عمليات أمن الطيران المدني وولاية السلطة عليها» الصادر في 22 يوليو 2026م.
كتب الرجل بروحِ نَواخِذَة البحر القدامى؛ أولئك الذين خبروا مجرى الريح، وعايشوا تأسيس البناء، و عرفوا قدر الرجال الذين يحرسون البوابات في عتمة الليل و هجير النهار.
لقد ثمّن صمود كادر أمن الطيران في عبور تدقيق منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) في مارس 2023م، ورحّب بقرار السيد وزير الدفاع الصادر في يونيو 2026م بشأن تبعية الدائرة.
غير أن سؤالاً واحداً تركه ينبض في عتمة النص كصوتِ بوقٍ في ليلةٍ مهجورة: «لا ندري ما المشكلة في الهيكل المقدم من الدائرة… وما المعوق الذي يعطل مصالح السلطة قبل منسوبي الدائرة؟».

هذا السؤال، و إن أُلبِسَ ثوب الإدارة و التنظيم، ليس سؤالاً عن هيكلٍ و تسكين.. إنه سؤالٌ جوهريٌ وفاجع:

مَن الذي يملك سرّ القرار في هذه الديار؟

لم يكن الحديث عن “شبكات النفوذ الموازي” أوهاماً تُروى في مجالس السمر، بل جاءت الحقائق لتصادق على ما كشفت عنه الصحفية رشان أوشي في تحقيقها الاستقصائي الشجاع

«قصة نفوذ أسقط الضمير».

و ها هي الحقيقة تتجلى ناصعةً لا غبار عليها في ملف “تسكين أمن الطيران”؛ إذ يقبع القرار الصريح الصادر بضم عمليات أمن الطيران على طاولة مدير عام سلطة الطيران المدني، السيد أبو بكر الصديق، منذ شهرين كاملين! شهران طويلان، والقرار طريح الأدراج، يغشاه الغبار و ينتظر إذنًا لا ندري من أي غُرفةٍ معتمة يخرج
حين ينام قرارٌ سياديٌ حاسم في مكتب مسؤول تنفيذي شهرين بلا حراك ولا إنفاذ، فنحن لا نمرُّ ببطءٍ إجرائي ، بل أمام نموذجٍ صارخ لاحتضار معنى “المؤسسة”؛ حيث يغدو التردد أسبق من الواجب، ونفوذ العرقلة أعلى قامةً من سلطة المنصب.

و إذا كانت شرارة الرفض الشريف و كسر حاجز الخوف قد انطلقت أولاً من صمود الإخوة في الشركة القابضة وموقفهم الصلب في وجه الظلم والمماطلة، فإن اليقين الذي لا يخالجه شكّ هو أن رجال أمن الطيران سيكونون هم السد المنيع والقوة القانونية التي تجتث ركام الفشل من جذوره.
هؤلاء الكوادر القليلة التي تقف اليوم في مطارات السودان، تغطي الورديات بجهد النفس الأخير تحت ظروف الحرب وهجير الشدة، هم الجدار الصلب الذي ستتحطم عليه الاوهام. إنهم سيف القانون النافذ، والجهة التي ستنفذ القرارات وتفرض هيبة الدولة بصورة حاسمة، فوق كل نفوذ، وفوق أي ظالم يظن أن كرسيه أو علاقاته أطول قامةً من الحق.
ضرورة إلغاء تعديلات 2023 وإعادة بناء سلطة الطيران المدني وفق متطلبات ICAO

إن مدير المؤسسة لا يُقاس بمداد القلم الذي يوقّع به الرقع، بل بصلابة ظهره حين تعصف الضغوط ومواجهة النفوذ. فالكرسي خشبٌ زائل، والمؤسسة وحدها الباقية، والمسؤول الذي يشتري بقاءه بالتردد يترك خلفه خرائب تشهد عليه.
أمن الطيران ليس شأناً فئوياً يُرجأ، بل هو وجه السودان المرفوع أمام العالم ومنظمة (ICAO) التي تترقب جاهزية مطاراتنا للتعافي.

إن الحقيقة المتجلية اليوم بين سطور هذا السجال تؤكد أن محاولة امتصاص الغضب بالإجابات المطاطية لم تعد تنخدع بها العقول، وأن الصوت الجريء الفاضح للمماطلة منح القضية أبعادها الحقيقية التي لا يمكن تجاوزها.
فبين لغة التبرير ولغة المواجهة، تظل الحقيقة معلقة بوعي الذين رفضوا أن يكونوا مجرد حطب لقيم التغاضي والتأجيل.

و ليعلم صنّاع التعطيل ومهندسو المماطلة في الغرف المغلقة، أن زمن الصمت قد انطوى إلى غير رجعة؛ وأن أبناء أمن الطيران لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام أي محاولة للالتفاف على القرارات أو إفراغها من محتواها.
إن أمن الطيران ليس ساحة للمناورة ولا ملفاً للمساومة، وسيقف رجاله سداً منيعاً في وجه كل من يحاول القفز على القانون أو فرض سلطة الظل.

لقد قُضي الأمر، وتعرّت النوايا، وسيكون أمن الطيران هو الصخرة التي تتكسر عليها الاوهام.. سلامٌ على الحق حين يكون أبلج، وسلامٌ على الذين يكتبون بمداد الحقيقة لا بالمساحيق، ويواجهون الأسئلة المصيرية بشجاعة الموقف ووضوح الرؤية.

طيران بلدنا

Exit mobile version