تتوسط ساحة خلوة “الفكي الأمين” بمنطقة الجزيرة إسلانج شمال مدينة أم درمان حلقة يرتل فيها عشرات الأطفال آيات من القرآن الكريم، حيث يجلس الصغار في صفوف متقابلة، يحمل كل منهم لوحه الخشبي، بينما يتابع الشيخ تلاوتهم ويصحح مخارج الحروف وآيات الحفظ، في مشهد يتكرر يومياً مع كل صباح.
ومن بين طلاب الخلوة أحمد عبد الرحمن، القادم من ولاية شمال كردفان، الذي يبدأ يومه قبل شروق الشمس، متنقلاً بين حلقات الحفظ والمراجعة، حيث يكتب ما يُملى عليه على لوحه الخشبي، ثم يردده مراراً حتى يطمئن الشيخ إلى إتقانه.
اللوح والدواية.. أدوات تعليمية متوارثة
لا يزال اللوح الخشبي والكتابة بالحبر التقليدي والمشافهة تشكل أساس العملية التعليمية في خلوة الفكي الأمين، كما في كثير من الخلاوى السودانية. ويوضح الطيب محمد الطيب، أحد خريجي الخلوة وإمام المسجد، أن “الدواية” هي الوعاء الذي يُحفظ فيه الحبر المستخدم في الكتابة على اللوح، مشيراً إلى أن الطالب يكتب الآيات بيده ويكررها قبل غسل اللوح لتهيئته لدرس جديد.
ويرى الطيب أن هذه الدورة اليومية من التدوين والمحو تساعد على ترسيخ الحفظ وتنمية ملكات التركيز والانضباط، وتجعل الطالب أكثر ارتباطاً بما يكتبه ويقرؤه.
هندسة الوقت في الخلوة
يبدأ اليوم الدراسي في الخلوة منذ الساعات الأولى من الصباح، إذ يجتمع الطلاب بعد صلاة الفجر فيما يُعرف محلياً بـ”وقت الدغش” للحفظ، ثم تتواصل الحلقات في فترة “الضحوية” بعد شروق الشمس. ومع حلول المساء، يعرض الطلاب ما حفظوه على شيخهم، الذي يستمع إلى تلاوتهم ويصحح الأخطاء ويدون ملاحظاته على الألواح الخشبية.
- خلوة الفكي الأمين ود أم حقين تأسست قبل نحو 150 عاماً
- الخلوة استقبلت عبر عقود طلاباً من مختلف الولايات السودانية
- الطيب محمد الطيب أتم حفظ القرآن بروايتي حفص عن عاصم والدوري عن أبي عمرو
مصحف الشرافة.. تطور الأدوات دون التخلي عن الجوهر
شهدت تجربة تعليم القرآن في منطقة الجزيرة إسلانج تطوراً مع ظهور مراكز اعتمدت وسائل حديثة، من بينها “مركز إسلانج للدعوة”. ويقول معلم القرآن محمد الفاتح النور أحمد إن المركز يعتمد على “مصحف الشرافة”، وهو كُرّاس تعليمي مقسم وفق أجزاء القرآن، ينقل إليه الطالب الآيات بخط يده قبل مراجعتها مع المعلم، مع تخصيص “حلقة مراجعة” يسير خلالها الطلاب في مسار دائري لترديد ما حفظوه بصوت مسموع.
ويؤكد مدير مركز إسلانج للدعوة محمد الفاتح عبد الوهاب أن إنشاء المركز لم يكن بديلاً عن الخلاوى التقليدية، بل جاء لتوسيع دائرة المستفيدين ليشمل فئات مثل طلاب الجامعات والمدارس وربات المنازل. وأوضح أن المركز نفذ منذ تأسيسه 76 دورة استفاد منها أكثر من 7600 طالب وطالبة.
