من المراقبة الإجرائية إلى منظومة ATM الحديثة: سيناريو واقعي لعبور الملاحة الجوية السودانية ” 4″
إبراهيم عدلان
مقدمة لا بد منها
تشكل العبارة الإنجليزية Think Ahead — أي «فكّر إلى الأمام» — إحدى حجرات الزاوية التي بُني عليها صرح مهنة الطيران، وهي مهنة لا تحتمل الانتظار حتى تقع المشكلة ثم البحث عن الحل، بل تقوم بطبيعتها على استباق المخاطر، وقراءة المستقبل، والتخطيط قبل التنفيذ.
من المراقبة الإجرائية إلى منظومة ATM الحديثة: سيناريو واقعي لعبور الملاحة الجوية السودانية “3”
وقد يأخذ علينا البعض الإسهاب في الجانب النظري، أو يرون في محاولة تصور أفضل السيناريوهات لعبور الملاحة الجوية السودانية لهذه الظروف الاستثنائية نوعاً من التفاؤل الزائد. لكن التجربة تعلمنا أن أصعب الظروف هي أكثر الأوقات حاجة إلى التفكير المسبق والتخطيط السليم، لا إلى ردود الأفعال المتعجلة.
وقد علمنا المولى سبحانه وتعالى ضرورة التمييز بين من يسير بلا رؤية ومن يمضي على طريق واضح، فقال تعالى:
﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: 22]
ولعل هذه الآية تختصر فلسفة هذه الورقة كلها.
فإعادة تشغيل الملاحة الجوية في السودان في ظل الظروف الراهنة لا ينبغي أن تكون حركة عشوائية من إجراء إلى آخر، ولا انتظاراً لما قد يأتي من الخارج، ولا استسلاماً للظروف القائمة. بل يجب أن تكون مساراً مخططاً يبدأ من الممكن الآن، ويستشرف ما نحتاج إليه غداً، ويضع لكل مرحلة أدواتها ومواردها وسقفها الزمني.
ومن هنا يصبح التفكير القبلي والتخطيط السليم أهم أداتين في هذه المرحلة.
التفكير القبلي يعني أن نسأل قبل أن نبدأ:
ماذا نملك؟ ماذا نستطيع أن نشغل؟ ما المخاطر؟ ما البدائل؟ وما الذي يجب أن نبدأ في بنائه منذ اليوم؟
أما التخطيط السليم فيعني أن نحول هذه الأسئلة إلى:
أولويات واضحة، ومسؤوليات محددة، ومراحل متتابعة، وسقوف زمنية، ومصادر تمويل، ومؤشرات لقياس النجاح.
ولهذا فإن هذه الورقة لا تدعي امتلاك وصفة مثالية، ولا تفترض أن الظروف ستسير وفق أفضل السيناريوهات، وإنما تحاول أن تقدم سيناريو عملياً قابلاً للتنفيذ في أصعب الظروف؛ يبدأ بالمراقبة الإجرائية كحل سريع وآمن لاستعادة الخدمة، ويعمل في الوقت نفسه على إعادة الرادار ومصادر المراقبة، وصولاً إلى منظومة ATM حديثة ومستدامة.
فالقاعدة التي ننطلق منها هي:
Think Ahead — فكّر إلى الأمام.
ثم:
خطط قبل أن تبدأ، وابدأ بما تستطيع، وابنِ بالتوازي ما تحتاج إليه غداً.
ففي مهنة الطيران، كما في إدارة الأزمات، الطريق الآمن لا يُكتشف بعد الانطلاق؛ بل يُخطط له قبل أن نخطو الخطوة الأولى.
الجزء الرابع
التمويل والتنفيذ والسقوف الزمنية
أولاً: فلسفة التمويل
لا تستطيع الدولة تحمل تكلفة كل شيء، ولا ينبغي أن تفعل.
يجب توزيع التمويل بين:
إيرادات الملاحة والعبور.
الموازنة العامة.
المنح والمساعدات الفنية.
التمويل التنموي.
الاستثمار والشراكات في الأنشطة التجارية.
⸻
ثانياً: ابدأ بالإيراد قبل الاستثمار الكبير
المنطق الاقتصادي للورقة هو:
تشغيل → حركة جوية → إيرادات → صيانة → تطوير.
فإذا بدأنا بالمراقبة الإجرائية واستعدنا حركة الطيران، تبدأ رسوم الملاحة والعبور في العودة.
وهذه الإيرادات يمكن أن تساعد لاحقاً في تمويل:
الرادار.
التدريب.
CNS.
أنظمة ATM.
الصيانة.
وبذلك لا يكون كل التطوير عبئاً على الخزانة العامة.
⸻
ثالثاً: لا تشترِ ما يمكن إصلاحه
قبل أي شراء كبير يجب أن نسأل:
ماذا لدينا؟
ما الذي يمكن إصلاحه؟
ما الذي يمكن تحديثه؟
ما الذي يمكن استخدامه مؤقتاً؟
وما الذي أصبح غير اقتصادي ويحتاج إلى استبدال؟
وهذه القاعدة توفر أموالاً كبيرة.
⸻
رابعاً: السقف الزمني للمرحلة الأولى
خلال 30 يوماً
تقييم الوضع.
حصر الكوادر.
تحديد مركز التحكم.
تقييم الاتصالات.
مراجعة الإجراءات.
تحديد الحد الأدنى الآمن للخدمة.
خلال 60 يوماً
تجهيز مركز التحكم.
إعادة الاتصالات.
تحديث الإجراءات.
AIM/AIS.
معالجة خطط الطيران.
بدء تدريب الكوادر.
خلال 90 يوماً
بدء التشغيل التجريبي للمراقبة الإجرائية.
وبعد استيفاء متطلبات السلامة تبدأ الخدمة التشغيلية تدريجياً.
⸻
خامساً: مرحلة الرادار
لا نضع للرادار سقفاً زمنياً مصطنعاً يفرض شراء منظومة جديدة.
بل تبدأ بعد استقرار التشغيل الإجرائي عملية تقييم فني واقتصادي تحدد:
أين نحتاج الرادار؟
ما نوع المراقبة المطلوبة؟
ما الموجود؟
ما الذي يمكن إصلاحه؟
ما تكلفة ذلك؟
ما الذي يمكن أن يقدمه ADS-B؟
ما الذي يستلزم تدخلاً من المورد؟
ثم يبدأ الإدخال التدريجي للرادار وفق الأولوية.
⸻
سادساً: تطوير ATM
بعد استقرار:
Procedural ATC
ثم إدخال:
Surveillance ATC
يبدأ تطوير:
Integrated ATM
وفق نمو الحركة الجوية والقدرة المالية والحاجة التشغيلية.
وهكذا لا تتحول التكنولوجيا إلى عبء مالي سابق لأوانه.
⸻
سابعاً: المبدأ المالي والمؤسسي النهائي
لا ننشئ شركة جديدة.
لا نشتري منظومة جديدة بالكامل.
لا ننتظر الرادار.
لا ننتظر ATM.
لا ننتظر المورد.
بل:
نطور دائرة الملاحة الجوية.
نبدأ بالمراقبة الإجرائية.
نستعيد التشغيل والإيرادات.
ثم ندخل الرادار.
ثم نطور ATM.
⸻
الخلاصة العامة
هذه الورقة لا تقترح على السودان مشروعاً جديداً باهظ التكلفة، وإنما تقترح طريقاً للعبور.
طريقاً يبدأ من الإمكانات المتاحة، ويستفيد من الخبرة الوطنية، ويعيد بناء المؤسسة القائمة، ويستعيد الخدمة بأقل تكلفة، ثم يطورها خطوة خطوة.
والتسلسل الذي يجب ألا يتغير هو:
ما لدينا الآن
↓
مراقبة إجرائية
↓
استقرار التشغيل
↓
استعادة الإيرادات
↓
تقييم الحاجة والقدرة
↓
إدخال الرادار تدريجياً
↓
Surveillance ATC
↓
تطوير ATM
وهذا هو معنى Think Ahead في حالتنا:
فكّر إلى الأمام، لكن لا تنتظر المستقبل حتى تبدأ.
فنحن لا نقول إن الرادار غير مهم، ولا إن ATM الحديثة غير ضرورية.
بل نقول إن لكل شيء وقته.
المراقبة الإجرائية هي ما نستطيع أن نبدأ به الآن.
والرادار يأتي عندما نكون جاهزين له.
والـATM الحديثة تأتي عندما يصبح لدينا أساس تشغيلي مستقر، وحاجة واضحة، وموارد تستطيع تحمل تكلفتها.
أما انتظار كل ذلك قبل أن نعيد تشغيل الملاحة الجوية، فهو ببساطة:
انتظار لا يستطيع السودان تحمله.
لذلك فإن الرسالة الأساسية لهذه الورقة هي:
نبدأ بما لدينا… ونبني ما نحتاجه.
نُشغّل أولاً، ثم نطوّر.
ولا ننتظر التطوير حتى نستطيع التشغيل.
