أبشر حسين يكتب: قلب الأسد… نافذة الصابرين على أمدرمان

قلب الأسد… نافذة الصابرين على أمدرمان

أبشر حسين

كان أكبر شارع في حي الصابرين، في ذاكرتنا، ذلك الشارع الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب، من خور أبو عنجة، عند بداية منزل علي خير ، بالقرب من نادي الموردة قديمًا، وينتهي عند منزل العم عثمان سوميت وناس عبد الرازق. وكان هذا الشارع يقسم حي الصابرين إلى قسمين؛ وكنت، وأنا شاب، أسميهما «بيروت الشرقية» و«بيروت الغربية».

أبشر حسين يكتب: قطار عطبرة المشترك … حكاية عائلة وذاكرة مدينة

وفي منتصف هذا الشارع، كان يلفت أنظارنا ونحن صغار، نادي قلب الأسد الرياضي والاجتماعي والثقافي. وأظن أن النادي قد تأسس في عشرينيات القرن الماضي.
أما في كرة القدم، فقد ظل الفريق يتأرجح بين الدرجات، من الثانية إلى الرابعة، لكنه كان بالنسبة لنا أكبر من مجرد فريق لكرة القدم؛ فقد كان مؤسسة اجتماعية وثقافية، ومدرسة نتعلم فيها كيف نعرف المجتمع ونقترب من الناس.

عندما كنا صغارًا، كانت دار النادي تقع بين منزل آل السميري ومنزل آل عبد العال مبروك. وارتبطت ذكرياتنا الأولى بالنادي بدوري الليق، وبمبارياته التي كانت تقام في ملاعب الثورة وملاعب مسجد الخليفة.
ولا زلت أذكر فرحتنا ونحن نذهب مع الفريق في البص الذي كان يقوده أبو الروس. كنا نجلس في البص سعداء، ليس فقط لأننا ذاهبون لمشاهدة مباراة، وإنما لأننا كنا نشعر أننا جزء من عالم أكبر منا. وكان من دواعي فخرنا أن نرى أمامنا تلك القامات الرياضية التي كنا ننظر إليها بإعجاب، ومنهم حسين السميري،موسى بشرى، عباس الماكر، عوض خريفين، وسليمان الفكي.

كما لا أنسى الإداريين الذين كان لهم دور كبير في مسيرة النادي، ومنهم الباهى الطيب،عمر الطيب، حسن حسيب، حسين الفكي،على احمد الطاهر، عثمان عبد العال، وبابكر النقر، ثم امتدت المسيرة إلى عهد مامون العوض وعوض عشيب.
وكان النشاط الرياضي في قلب الأسد أوسع من كرة القدم؛ فقد كانت هناك أنشطة أخرى مثل رفع الأثقال وتنس الطاولة، إلى جانب الندوات والأنشطة الثقافية. ولذلك لم يكن النادي بالنسبة لنا مجرد مكان نذهب إليه لمشاهدة كرة القدم، وإنما كان مدرسة اجتماعية وثقافية حقيقية.

لقد لعب قلب الأسد دورًا مهمًا في تكوين شخصياتنا. فمن خلاله وجدنا نافذة نطل منها على المجتمع الأمدرماني، وبدأنا نتعرف على الناس، وعلى الأحياء الأخرى، وعلى عالم الرياضة والمنافسة، وعلى معنى الانتماء إلى مكان وفريق وجماعة.
ومن أجمل الذكريات المرتبطة بالنشاط الثقافي السينما المتجولة. كم كانت فرحتنا ونحن نرى شاشة السينما معلقة على أحد الجدران، ونجتمع حولها لمشاهدة الأفلام والمواد المصورة التي كانت تعرض آنذاك.

كانت تلك المشاهد، بالنسبة لنا ونحن أطفال، عالمًا جديدًا يفتح أمامنا أبوابًا لم نكن نعرفها. كنا نشاهد الأخبار والنشاطات السياسية للحكام، ونشاهد الأفلام التي كانت تعرض في تلك السينما المتجولة، ومن بينها فيلم «تور الجر في الخرطوم»، وهي من الصور التي ما زالت عالقة في الذاكرة.
ولا تزال صورة حسن عطية وهو يغني على ضفاف النيل، بالقرب من مقرن النيلين و«بر أبو البتول»، حاضرة في ذاكرتي(اظنه اول فديو كليب). كانت تلك اللحظات تجمع بين الفن والمكان والناس، وتمنحنا جرعات ثقافية وفنية لا تزال آثارها معنا حتى اليوم.

حين نستعيد تلك الأيام، ندرك أن تكويننا لم يكن يتم داخل المدرسة وحدها؛ فقد كانت الحارة والنادي والملعب والسينما المتجولة والندوة والأغنية كلها مدارس موازية ساهمت في تشكيل وعينا وشخصياتنا.
ولهذا، فإن الحديث عن قلب الأسد ليس حديثًا عن فريق كرة قدم فحسب، وإنما هو حديث عن جزء من تاريخ الصابرين وأمدرمان، وعن جيل وجد في النادي مساحة للرياضة والثقافة والصداقة والتعلم.

التحية لكل الذين أسهموا في مسيرة قلب الأسد، والتحية لكل اللاعبين والإداريين والمثقفين والفنانين الذين مروا من خلاله، والتحية بصورة خاصة لكل من تعلمنا منهم في تلك الفترة.
فبعض الأماكن لا تبقى في الذاكرة لأنها كانت جميلة فحسب، وإنما لأنها ساهمت في صناعة الذين كنا عليه، والذين أصبحنا عليه بعد ذلك.

Exit mobile version