أبشر حسين يكتب: جمال حسن عبد الله… رجلٌ كان يرى ما وراء الأحداث

جمال حسن عبد الله… رجلٌ كان يرى ما وراء الأحداث

أبشر حسين

من الأشخاص الذين لا يغيبون تمامًا عن الذاكرة، حتى وإن غابوا عن الحياة، أولئك الذين تركوا في النفس أثرًا يتجاوز حدود المعرفة العابرة. ومن هؤلاء جمال حسن عبد الله، الذي جمعني به نسبٌ عائلي من جهة زوجتي، إذ كان خالًا لها، لكن معرفتي به لم تقف عند حدود صلة القرابة؛ فقد كان رجلًا مثقفًا، واسع الاطلاع، عميق التفكير، وله قدرة لافتة على قراءة الأحداث وربط بعضها ببعض، والنظر إلى ما وراء الخبر والواقعة.

أبشر حسين يكتب: قلب الأسد… نافذة الصابرين على أمدرمان

وُلد جمال حسن عبد الله في مدينة عطبرة، في حي أم بكول، تلك المدينة التي ارتبط تاريخها بالحركة الوطنية والنقابية والوعي السياسي والثقافي. عمل في بنك الخرطوم، ثم انتقل إلى المملكة العربية السعودية، حيث عاش وعمل لأكثر من عشرين عامًا، وأنهى حياته هناك. وعلى الرغم من أن حياته العملية أخذته بعيدًا عن السودان، فإن السودان ظل حاضرًا في ذهنه، في حديثه وتحليله واهتمامه، وكأنه لم يغادره إلا بجسده.

كان جمال يساريًا عتيدًا، يحمل رؤية فكرية واضحة، وكان يبدو في حديثه متأثرًا بالتحليل الجدلي، أو ما يعرف بالمنهج الديالكتيكي، في محاولة لفهم حركة المجتمع من خلال التناقضات والتحولات والعوامل المتداخلة. ولم يكن يتعامل مع الأحداث باعتبارها وقائع منفصلة، بل كان يبحث دائمًا عن الخيط الذي يصل بينها، وعن القوى التي تقف خلفها، وعن النتائج التي يمكن أن تترتب عليها بعد سنوات.

وكانت لديه مقدرة خاصة على شدّ مستمعه. فإذا بدأ حديثًا، لا تشعر أنك أمام شخص يسرد معلومات، بل أمام رجل يحاول أن يبني أمامك صورة كاملة؛ يذكر واقعة، ثم ينتقل إلى أخرى، ثم يعود إلى الأولى ليضعها في سياق جديد. وكان يربط التاريخ بالسياسة، والسياسة بالمجتمع، والمجتمع بحركة السكان، ثم يحاول أن يستشرف إلى أين يمكن أن تقود كل هذه العوامل.

ولا تزال عالقة في ذاكرتي جلسة جمعتني به في مدينة تبوك بالمملكة العربية السعودية، وكان ذلك في أواخر تسعينيات القرن الماضي. كان حديثه يومها عن السودان، وعن شيء لم يكن يبدو في ذلك الوقت واضحًا لكثير من الناس: التغير الديموغرافي الذي يمكن أن يحدث في البلاد نتيجة الهجرات والنزوح وإعادة توزيع السكان.

كان يتحدث عن الهجرات القادمة من مناطق السودان المختلفة، وعن النزوح من الأرياف إلى المدن، وعن انتقال مجموعات سكانية بأعداد كبيرة بسبب الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية. لكنه لم يكن يرى في هذه التحركات مجرد هجرات طبيعية تفرضها الحاجة أو البحث عن العمل؛ كان يتحدث أيضًا عن أثر السياسات، وعن التهجير القسري، وعن النزوح الذي قد يكون نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لقرارات سياسية وأمنية، وعن الكيفية التي يمكن بها لتغيير أماكن السكان أن يؤدي، بمرور الزمن، إلى تغيير أعمق في بنية المجتمع نفسه.

في ذلك الوقت، ربما لم أدرك تمامًا أبعاد ما كان يقوله جمال. كانت بعض أفكاره تبدو بعيدة، أو أقرب إلى قراءة سياسية للمستقبل منها إلى واقع يمكن أن نراه بأعيننا. لكن السنوات مضت، ووقعت أحداث كثيرة، وتغيرت خريطة السودان السكانية بصورة كبيرة، وأصبح النزوح والهجرة واللجوء جزءًا من الحياة اليومية لملايين السودانيين.

واليوم، وأنا أرى ما يحدث في السودان من نزوح واسع، وهجرات داخلية وخارجية، وخروج أعداد كبيرة من السكان من مناطقهم الأصلية، وإعادة تشكل المدن والمجتمعات نتيجة الحرب والاضطرابات، عادت إلى ذاكرتي تلك الجلسة القديمة مع جمال في تبوك.
وتساءلت: هل كان جمال يرى شيئًا أبعد مما كنا نراه نحن؟
لا أقول إنه تنبأ بكل ما حدث، فالأحداث التاريخية لا تسير في خط مستقيم، ولا يمكن اختزالها في نبوءة واحدة. لكنني أعتقد أن ما ميز جمالًا كان قدرته على إدراك أن تغيير الإنسان لمكانه ليس مجرد انتقال جغرافي، بل قد يكون بداية لتغيير المجتمع كله.

فحين يغادر الإنسان قريته أو مدينته، لا ينتقل وحده؛ تنتقل معه لغته ولهجته وعاداته وذاكرته وعلاقاته الاجتماعية. وعندما تتغير أماكن الملايين، فإن المجتمع نفسه يبدأ في إعادة تشكيل ذاته. تتغير المدن، وتتغير العلاقات بين المجموعات، وتتغير أنماط العمل والسكن، وتتبدل موازين القوى الاجتماعية، وقد تظهر أجيال جديدة لا تعرف الوطن بالطريقة التي عرفه بها آباؤها.
والأخطر أن النزوح الجماعي، إذا طال أمده، يمكن أن يتحول من حالة مؤقتة إلى واقع دائم. فالطفل الذي يولد في مدينة النزوح قد يكبر فيها، وقد يدرس ويعمل ويتزوج فيها، وقد يصبح ارتباطه بالمكان الجديد أقوى من ارتباطه بالمكان الذي جاء منه والداه. وهنا لا يعود الأمر مجرد نزوح بسبب ظرف طارئ، بل يصبح جزءًا من إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية والديموغرافية للبلاد.

وهذا هو الجانب الذي أظن أن جمالًا كان يحاول أن يلفت النظر إليه منذ ذلك الوقت.
كان يرى الأحداث كأنها حلقات في سلسلة طويلة، وليس كأخبار يومية منفصلة. وربما كان هذا هو سر جاذبية حديثه؛ لم يكن يكتفي بأن يقول لك ماذا حدث، بل كان يسألك: لماذا حدث؟ وما الذي يمكن أن ينتج عنه؟ ومن المستفيد؟ وإلى أين يمكن أن يقودنا ذلك؟
كان في حديثه شيء من مدرسة اليسار القديمة، التي كانت تؤمن بأن التاريخ تحركه قوى اجتماعية واقتصادية وسياسية، وأن فهم الواقع يحتاج إلى تفكيك هذه القوى والنظر إلى تناقضاتها. وقد أختلف معه في بعض استنتاجاته أو تفسيراته، لكنني كنت أستمتع بقدرته على التفكير، وعلى جعل المستمع ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة.
ولعل أجمل ما في بعض الناس أنهم لا يتركون لنا إجابات جاهزة، وإنما يتركون في عقولنا أسئلة تستمر معنا سنوات طويلة.
وهذا بالضبط ما تركه جمال في ذاكرتي.

لقد مر أكثر من ربع قرن على ذلك الحديث في تبوك، وتغير العالم وتغير السودان، وتغيرت أنا أيضًا. لكنني كلما رأيت حركة السكان والنزوح والهجرة، وكلما سمعت عن ملايين السودانيين الذين تركوا ديارهم، أتذكر الرجل الذي جلس أمامي في تبوك يتحدث بهدوء عن المستقبل، ويحاول أن يقرأ ما وراء التحولات التي كانت تبدو في ذلك الوقت صغيرة ومتفرقة.
واليوم، ونحن نعيش واحدة من أكبر التحولات السكانية في تاريخ السودان الحديث، لا أملك إلا أن أعود إلى سؤاله القديم، ولكن بصورة أوسع:
إلى أين نحن سائرون؟
هل نحن أمام تحولات سكانية مؤقتة ستتراجع عندما تنتهي الحرب وتستقر البلاد؟ أم أننا أمام إعادة تشكيل عميقة للمجتمع السوداني، ستترك آثارها لعقود قادمة؟
وإذا عاد ملايين النازحين إلى ديارهم، فهل سيجدون القرى والمدن التي تركوها كما كانت؟ وهل سيعود الجميع؟ وماذا عن الذين بدأوا حياة جديدة في أماكن أخرى، أو خارج السودان؟ وماذا عن الأطفال الذين نشأوا بعيدًا عن مناطق آبائهم وأجدادهم؟
ثم هناك سؤال أكبر: كيف ستبدو خريطة السودان الاجتماعية والديموغرافية بعد أن تهدأ أصوات الحرب؟
لا أعرف الإجابة.
لكنني أعرف أن جمال حسن عبد الله كان من أولئك الذين جعلوني أفكر في أن الجغرافيا ليست مجرد خرائط، وأن الهجرة ليست مجرد أرقام، وأن النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى مكان.
وربما لهذا السبب تذكرت جمال الآن.
تذكرت رجلًا ولد في عطبرة، في حي أم بكول، وعمل في بنك الخرطوم، ثم عاش أكثر من عشرين عامًا في السعودية، وأنهى حياته بعيدًا عن وطنه؛ رجلًا حمل معه السودان أينما ذهب، وظل يفكر فيه ويحاول أن يفهمه.
رحم الله جمال حسن عبد الله.

رحل الرجل، لكن بعض أحاديثه بقيت.
وبعض الأحاديث لا تنتهي بانتهاء أصحابها؛ تظل تنتظر سنوات طويلة حتى تأتي الأحداث فتمنحها معناها، ثم تعيدها إلينا من جديد.
ولعل هذا هو أجمل ما يمكن أن يتركه المثقف وراءه: أن يجعلك تفكر، وأن يزرع فيك سؤالًا لا يموت.
وسؤال جمال الذي عاد إليّ بعد كل هذه السنوات هو:
ماذا يحدث للسودان عندما يتغير مكان السودانيين؟ وإلى أين يمكن أن يقودنا هذا التغيير؟

Exit mobile version