الملفات التي تموت في الانتقال وتغيير الوزراء
عائشة الماجدي
قالت عائشة الماجدي إن الحكومات في السودان، خلال السنوات الماضية، لم تتغير إلا وتكرر معها الخطاب ذاته: «سنفتح الملفات القديمة وسنحسمها، ونحن ورثنا تركة ثقيلة من النظام السابق، والوزير السابق لم يكن يعرف العمل». وأشارت إلى أن النتيجة ظلت واحدة؛ إذ لم يخرج ملف واحد من الأدراج سليماً مع كل تبديل وزاري أو تشكيل جديد لمجلس الوزراء، بل تبدأ القصة في كل مرة من الصفر، وكأن البلاد بلا تاريخ أو تراكم مؤسسي أو قضايا متوارثة.
عائشة الماجدي : اقرعوا القصة ما نحرق تاني
وأوضحت أن ملف العدالة الانتقالية يمثل النموذج الأوضح لهذه الإشكالية، مشيرة إلى أن لجاناً شُكّلت، ومؤتمرات عُقدت، وتوصيات رُفعت، ثم انتهى بها الأمر إلى الرفوف، بينما لا تزال أسر الشهداء والمفقودين تبحث عن إجابات بشأن مصير أبنائها. وأضافت أن الإجابة المؤجلة ظلت واحدة: «ورثنا تركة»، في وقت لم تتحول فيه تلك الملفات إلى مسار مؤسسي مستمر يضمن الوصول إلى نتائج واضحة.
وأشارت إلى أن ملف السلام ليس أفضل حالاً، موضحة أن اتفاقيات وُقّعت وبروتوكولات أُبرمت، وما إن جاءت حكومة جديدة حتى أعلنت أن الاتفاق السابق لم يكن مناسباً، فعادت العملية إلى نقطة البداية. وأضافت أن استمرار الاتفاق أو تعديله لم يؤدِ في كثير من الأحيان إلى معالجة أصل القضية في الأقاليم، بينما ظلت معاناة المواطنين قائمة، واستمرت أوضاع النزوح، دون أن تتوافر التنمية المطلوبة التي يمكن أن تعالج جذور الأزمات بصورة مستدامة.
أما ملف إصلاح الخدمة المدنية، فقالت الماجدي إنه يُعد من أكثر الملفات استنزافاً، مشيرة إلى أن كل وزير يأتي بهيكلته وتعييناته الخاصة، ويعيد ترتيب المواقع وفقاً لمنظومته وعلاقاته وأبنائه وأقاربه وأبناء قبيلته وناس محلته، بينما يُترك موظفون في بعض الأحيان بلا مهام واضحة. وأضافت أن مؤسسات أُضعفت أو هُدمت بدوافع سياسية وشعارات من قبيل «ما بحكموا» و«ما بنخليهم»، في الوقت الذي لم تُبنَ فيه مؤسسات بديلة قادرة على أداء الدور نفسه بكفاءة واستقرار. وأكدت أن هذه الممارسة أفقدت الدولة ذاكرتها المؤسسية، فأصبح الوزير الجديد لا يعرف بالضرورة ما الذي أنجزه سابقه، ولا ما الذي بدأه أو خطط له، بينما يظل المواطن هو الخاسر الأكبر، إذ يدفع ثمن هذا الاضطراب من وقته ومن مستوى الخدمات التي يحصل عليها.
وترى الماجدي أن جوهر الأزمة يتمثل في عدم وجود ما يُلزم الحكومة القادمة بإكمال ما بدأته سابقتها، إذ لا يوجد وزير يعمل بالضرورة وفق البرنامج والخطة اللذين وضعهما الوزير السابق، كما لا توجد آلية قانونية أو معيار مؤسسي واضح يحاسب على تعطيل المشروعات أو يضمن استمرارية العمل العام. وأوضحت أن السياسة تحولت، في بعض الممارسات، إلى ما يشبه الملكية الشخصية؛ فما لم يكن من بنات أفكار المجموعة الجديدة، أو وُلد في عهدها، أو ارتبط بحزبها، لا يُنظر إليه بالضرورة باعتباره مشروعاً للدولة يستحق الاستمرار.
وأضافت أن النتيجة الطبيعية لذلك هي تبديد الزمن والمال، وإضعاف الثقة في المؤسسات، وتآكل ثقة المواطن في الوعود الجديدة، لأنه بات يدرك أن ما يُعلن اليوم قد يتوقف غداً، وأنه بعد عام ربما يُقال له إن المشروع كان مشروع النظام السابق، أو رئيس الوزراء السابق، أو الوزير السابق، وكأن تغيير الأشخاص يعني بالضرورة إلغاء ما سبقهم.
وأكدت الماجدي أن الأوطان لا تُبنى بالقطعة ولا بالمزاج السياسي، مشددة على أن التعليم والصحة والعدالة والبنية التحتية قضايا قومية يجب أن تستمر بصرف النظر عمن يجلس على كرسي المسؤولية. وأشارت إلى أن التجارب الناجحة في دول أخرى قامت على مبدأ بسيط، يتمثل في وجود ملفات وطنية تتجاوز الخلافات السياسية، ولا يجوز أن تتوقف أو تُلغى لمجرد تغير الحكومة أو الوزير.
يتبع 👇
