أبو النور… حين تصبح الأغنية نافذة للخروج من الصمت
أبشر حسين
كيف يستطيع العقل أن يتجاوز أحداثًا ما زالت تسكن في أعماقه؟ وكيف له ألا يجترّ الذكريات التي كلما عادت إلى الذاكرة قادت الإنسان إلى حالة من الصمت والتأمل؟
هناك أحداث لا تغادرنا، حتى وإن غادرنا أماكنها وأشخاصها. تظل مختبئة في زاوية ما من الذاكرة، ثم يكفي أن يمرّ طيف، أو صوت، أو لحن، حتى تعود بكل تفاصيلها، كأنها حدثت بالأمس.
أبشر حسين يكتب: قطار عطبرة المشترك … حكاية عائلة وذاكرة مدينة
لا زلت أذكر، كل يوم جمعة، وقبل بداية عيادة بروف داوود الخيرية، أن أمرّ على أبو النور وهو في خلوته. كان ذلك جزءًا من طقوس الجمعة التي ألفناها؛ أطمئن عليه، ثم أذهب إلى العيادة.
لكنني لا زلت أذكر ذلك اليوم على وجه الخصوص.
دخلت عليه في محرابه، فسلمت عليه، فإذا به غارق في استماع عميق إلى زيدان والخالدي وهما يصدحان برائعة الشفيع «لحن الحياة».
لم أرَ أبا النور يومًا في مثل ذلك الشرود.
كان جالسًا وكأنه غادر المكان، بينما بقي جسده فيه. القهوة في كبايته أصابها البرود، وبقايا السيجارة بين أصابعه لم يعد يخرج منها إلا دخان خافت، كأنها هي الأخرى قد دخلت معه في ذلك الصمت.
دلفت إلى الداخل وأنا في دهشة من هذا السكون الذي حاق بالمكان. كان الصمت كثيفًا إلى درجة أنني شعرت أن أي كلمة قد تفسد شيئًا مقدسًا يحدث أمامي.
لكنني، كعادتي، لم أستطع أن أتركه طويلًا في ذلك السياج الذي ضربه حول نفسه.
كسرت المشهد، وانضممت إلى الأغنية، وأصبحت كورالًا لذلك الصوت الشجي، أحاول أن أخرج أبا النور من شروده، أو ربما كنت أحاول أن أعيد إليه شيئًا من العالم الذي غادره للحظات.
وبعد قليل بدأ الحديث.
وكان حديثًا من تلك الأحاديث التي لا تعرف أين تبدأ وأين تنتهي.
تحدثنا عن الثنائية في الغناء؛ عن ذلك السر الغامض الذي يجعل شخصين قادرين على تفجير أنهار الإبداع المختبئة في دواخلهما.
هل الثنائية مجرد اجتماع اثنين؟ أم أنها كيان ثالث يولد من امتزاجهما؟
هل يستطيع أحدهما أن يمنح الآخر القدرة على الوصول إلى أعماق الآخرين، وإيصال تلك الحزمة الكاملة من العواطف التي لا تستطيع الكلمات وحدها حملها؟
ثم انتقلنا إلى الشفيع وود القرشي.
هل أصبح الشفيع هتّيفةً لشرود عواطف ود القرشي؟ وهل اندمج الاثنان، في لحظة من لحظات الإبداع، في جسد فني واحد، فأصبحت الكلمة رسول المحبة، وأصبح اللحن قادرًا على فضح ما تخفيه القلوب؟
كيف استطاع ذلك الشلال العظيم من العاطفة أن يعبر من قلب شاعر إلى صوت مغنٍ، ثم يصل إلى قلوب أناس لم يعرفوا القصة أصلًا؟
وهنا أخذنا الحديث إلى عوالم أخرى.
تساءلنا: هل الثنائية إضافة أم خصم؟
هل وجود الآخر يحدّ من مساحة الفنان، أم أنه يفتح أمامه مساحات لم يكن يستطيع الوصول إليها منفردًا؟
وتحدثنا عن عبد الرحمن الريح وأولاد الموردة، وعن تلك الكيمياء النادرة بين شاعر وصوت، وبين لحن وأداء؛ وكيف استطاع هذا التآلف أن يختزل المسافات كلها بين العاشقين.
ثم توقفنا عند وردي وود حد الزين؛ ذلك الصوت الذي يحمل في داخله دهشة لا تشبه غيرها، وكأن عواطفه لا تأتي قطرة قطرة، وإنما تنفجر شلالًا من الوجد.
ثم جاءت المحطة العجيبة: بازرعة وعثمان حسين.
كيف استطاع كل واحد منهما أن يجعل من العشق أيقونة تبحث عن السعادة، وأن يحول الكلمة البسيطة إلى حالة كاملة من الوجد؟
ثم رقائق الكلمات عند علي شبيكة، حين تصبح القصيدة بلسمًا لا يستطيع رجل واحد أن يحتمل كل ما فيها من عاطفة.
كانت بوابات العشق تنفتح على مصاريعها وهي تشاهد تلك اللقاءات بين الخالدِي وسليمان أبو داوود؛ لقاءً يمنح فيه الثاني الاول صك الانتماء إلى مدن الإبداع، وكأنه يسلمه صولجان الطرب، محتفيًا به، وبما يحمل من موهبة، وبما يستحقه من مكان في ذلك العالم الجميل،ثنائية لايضاهيها الى الفعل الابداعى عند عمر الشاعر وزيدان.
كان المشهد بالنسبة لأبي النور أكبر من مجرد غناء.
كان يرى في هذه الثنائيات حوارًا بين الأرواح؛ شاعرًا يحتاج إلى صوت، وصوتًا يحتاج إلى كلمة، وكلمة لا تكتمل إلا بلحن، ولحنًا لا يعيش إلا إذا وجد قلبًا يتلقاه.
كان أبو النور يملك قدرة عجيبة على القوس داخل المعاني؛ يدخل إلى الكلمة من باب، ثم يخرج منها من باب آخر، يقتلع منها المعاني الجميلة، ويعيد ترتيبها، ثم ينثرها دررًا على ألسنة العاشقين.
كان لا يستمع إلى الأغنية كما يستمع إليها الناس.
كان يدخل داخلها.
يفكك كلماتها، ويتتبع مشاعر شاعرها، ويبحث عن المسافة الخفية بين الكلمة واللحن والصوت، ثم يسأل:
لماذا هزتنا هذه الأغنية؟
ولماذا بقيت هذه الجملة بالذات في الذاكرة؟
وما الذي يجعل بعض الأغنيات تعيش معنا عشرات السنين، بينما تموت أخرى بمجرد أن ينتهي صوتها من مكبر الصوت؟
لم يكن أبو النور مستمعًا عاديًا.
كان يفتش عن الإنسان المختبئ داخل الأغنية.
كان يرى وراء الكلمة قلبًا، ووراء اللحن حكاية، ووراء الصوت تجربة إنسانية كاملة.
خرجت من عند أبي النور يومها وأنا أشعر أنني خرجت من مكان آخر، لا من غرفته.
خرجت أكثر جمالًا، وأكثر امتلاءً، وأكثر قدرة على فهم الإنسان.
ولعل أجمل ما حدث أنني عدت إلى عيادتي وأنا أحمل شيئًا من ذلك الضوء الذي كان يملأ حديثه.
دخلت على المرضى، وكنت أكثر قدرة على الاستماع إليهم، وأكثر استعدادًا لأن أقول لهم كلمة تمنحهم الأمل.
ربما لهذا السبب بقي ذلك الصباح في ذاكرتي.
فالطبيب لا يعالج المريض بالدواء وحده.
أحيانًا يحتاج المريض إلى كلمة، وإلى ابتسامة، وإلى إحساس صادق بأن هناك من يؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أجمل.
ويبدو أن أبا النور، دون أن يقصد، كان قد أعطاني في ذلك الصباح شيئًا من هذه القدرة.
خرجت من عنده وأنا أكثر قدرة على أن أعطي مرضاي وعودًا بالشفاء؛ لا لأنني كنت أملك ضمانًا للشفاء، وإنما لأنني تعلمت أن الأمل نفسه جزء من العلاج.
وربما كان ذلك هو سر أبي النور الحقيقي:
لم يكن يستمع إلى الأغاني فقط…
كان يستخرج منها ما يعيد الإنسان إلى الحياة.
وبعد كل هذه السنوات، كلما عادت إلى ذاكرتي تلك الجمعة، أرى القهوة وقد بردت في كوبها، والسيجارة وقد خفت دخانها، وأسمع من بعيد صوت الشفيع والخالدي…
وأرى أبا النور جالسًا في محرابه، غارقًا في ذلك العالم الذي لا يدخله إلا من أحب الموسيقى حتى صارت عنده أكثر من أغنية.
صارت وطنًا للروح.
