مصطفى البطل يكتب: ماذا قال الحارث إدريس وماذا تقول الوقائع؟

الحقيقة أن السفير الحارث إدريس، في خطابه أمام مجلس الأمن، لم ينفِ حدوث انقلاب 25 أكتوبر 2021، كما أنه لم يتطرق إلى الحكومة التي كانت قائمة آنذاك!

وهنا نحتاج إلى مراجعة محضر الوقائع، الذي يوضح تسلسل الأحداث كما جرت:

وتسلسل الأحداث، وفقاً لما هو مدوّن في محضر الوقائع، يقول إن موقف الدكتور عبدالله حمدوك كان غامضاً في بداية الانقلاب. بل إن نائب رئيس مجلس السيادة آنذاك، محمد حمدان دقلو، ذكر في خطاب أمام جمع غفير من الإعلاميين أن حمدوك نفسه كان مشاركاً في ما أسماه «انقلاب تصحيح المسار»!

ما علينا، المهم هنا أن حمدوك قرر لاحقاً مواصلة عمله رئيساً للوزراء، ووافق على قبول التكليف بالاستمرار في منصبه، وأدى القسم. ثم تلا ذلك أن قرر بعض وزراء الحكومة تقديم استقالاتهم من مناصبهم (أدناه كنموذج نص استقالة وزيرة الخارجية، السيدة مريم الصادق المهدي، وهي تحمل توقيعها بخط يدها). بينما استمر آخرون في مناصبهم منهم الدكتورة هبة محمد علي وزيرة المالية وبثينة دينار وزيرة الحكم الاتحادي وكل وزراء الكتلة الديمقراطية وعلى رأسهم الدكتور جبريل ابراهيم وآخرون، وتم تكليف بعض وكلاء الوزارات بتسيير مهامها. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنه كانت هناك بالفعل حكومة مدنية قائمة عليها رئيس للوزراء ووزراء سياسيون ووزراء مكلفون.

استمرت حكومة حمدوك، في مرحلة ما بعد «انقلاب تصحيح المسار»، من 25 أكتوبر 2021 إلى 2 يناير 2022، وهو التاريخ الذي وجّه فيه الرجل خطابه عبر الإذاعة والتلفزيون، ووردت فيه عبارته الشهيرة: «اسمحوا لي أن أرد إليكم أمانتكم»، قبل أن يعلن استقالته من منصب رئيس الوزراء.

وهكذا أصبحنا أمام حكومة مدنية كاملة مستقيلة: رئيس وزراء ووزراء. وهذا هو الوضع الذي يُشار إليه عادةً باعتباره فراغاً دستورياً. وهنا، وبعد استقالة الحكومة برُمّتها، تقدّم الجيش وتولى إدارة شؤون البلاد.

هذه هي الوقائع التاريخية التي شهدها الشعب السوداني بأكمله، والتي أشار إليها السفير الحارث إدريس في خطابه أمام مجلس الأمن.

إذا كانت هذه هي الوقائع التي جرت أمام أعين الشعب السوداني، وإذا كان السفير الحارث إدريس قد أشار إليها في خطابه امام مجلس الأمن دون أن ينكر وقوع انقلاب 25 أكتوبر، فأين أخطأ الرجل بالضبط؟! وما الذي قاله تحديداً ويخالف الوقائع الموثقة؟!

أما كل هذا الضجيج والجلبة فلا يبدو مفهوماً إلا إذا كان المطلوب فرض رواية سياسية بعينها على التاريخ. ولكن التاريخ لا يتغير بالضجيج، والوقائع لا تُصحَّح بالصراخ!

Exit mobile version