أعلام الأغنية السودانية (3)
خليل فرح… حين غنّى الوطن في هيئة امرأة
سلسلة توثيقية في تاريخ الأغنية السودانية
عثمان شيخ الدين عكرة
هناك فنانون يغنون للحياة، وفنانون يغنون للحب، وفنانون يغنون للوطن.
لكن خليل فرح كان من أولئك النادرين الذين استطاعوا أن يجعلوا الحب والوطن شيئًا واحدًا؛ أن يكتب قصيدة تبدو في ظاهرها حديث عاشق إلى معشوقته، ثم يكتشف المستمع، بعد قليل من التأمل، أن المعشوقة ليست امرأة وحدها، وأن القلب الذي يخفق في القصيدة هو قلب السودان نفسه.
لهذا لم يكن خليل فرح مجرد مطرب أو شاعر أو ملحن.
عثمان عكرة يكتب: فهيمة.. أن تنهضي هذه المرة أكثر قوة
كان ظاهرة ثقافية.
ولد خليل فرح عام 1894 في دبروسة بمنطقة حلفا، وتعود جذوره إلى جزيرة صاي، ونشأ في بيئة شمالية مشبعة بالعلم والشعر والموسيقى، ثم انتقل إلى أم درمان، المدينة التي كانت يومها تتشكل فيها ملامح السودان الحديث. وتشير المصادر إلى أنه جمع بين الشعر والغناء والتلحين، وكان من أبرز المجددين في الشعر الغنائي والغناء السوداني في مطلع القرن العشرين.
لكن قيمة الخليل لا تكمن في هذه المعلومات وحدها.
من الحقيبة إلى الأغنية ذات الرسالة
كان فن الحقيبة في مرحلة تشكله قد فتح الباب أمام القصيدة الغنائية الحديثة، وأعطى الكلمة مكانة لم تكن لها من قبل. غير أن خليل فرح جاء ليقول إن الكلمة تستطيع أن تفعل أكثر من وصف الجمال والوجود، يمكنها أن تقاوم.
ويمكنها أن تقول ما لا يستطيع الناس قوله صراحة، ويمكنها أن تحول الحبيبة إلى وطن، والحنين إلى منفى، والجمال إلى ذاكرة جماعية. وهنا تبدأ عبقرية الخليل.
لقد فهم مبكرًا أن الرقابة السياسية يمكن أن تراقب الكلمات المباشرة، لكنها قد تعجز أمام قصيدة تبدو غزلًا بينما تخبئ في داخلها خطابًا وطنيًا.
ومن أشهر تجليات ذلك أغنيته الخالدة، عزة في هواك.
فقد كتب خليل فرح كلماتها ولحنها وأداها، وأصبحت واحدة من أشهر الأغنيات الوطنية في تاريخ السودان، حتى وُصفت بأنها أقرب إلى نشيد وطني غير رسمي للسودانيين.
عزة… المرأة التي اتسعت حتى أصبحت وطنًا، هنا ينبغي أن نتوقف طويلًا، لأن عزة في تجربة خليل فرح ليست مجرد اسم في أغنية إنها حيلة شعرية وعبقرية رمزية.
الحبيبة في القصيدة لها جسد وملامح، لكن خلف الجسد وطن.
ولهذا فإن الاستماع إلى الأغنية لا يقودك إلى الحب وحده، وإنما يأخذك إلى الخرطوم، وأم درمان، وشمبات، وذاكرة الشباب، وإلى ذلك الإحساس الغامض بأن هناك وطنًا يستحق أن يُحب وأن يُسترد.
وتكشف القصيدة نفسها هذا الاتساع حين ينتقل الخطاب من الحبيبة إلى الأرض والجماعة والنهضة:
عزة شفتِ كيف نهض العيال
جددوا القديم تركوا الخيال
هنا لا يعود العاشق منشغلًا بمحبوبته فقط؛ لقد دخل المجتمع كله إلى القصيدة.
وهذه واحدة من أهم خصائص الخليل: تحويل الغزل إلى خطاب وطني من دون أن يفقد الغزل جماله.
خليل فرح… شاعر الرمز
في الأغنية السودانية، لم يكن الرمز جديدًا تمامًا، لكن الخليل رفعه إلى مستوى آخر،لم يقل: أحب السودان، بل جعل السودان امرأة يحبها.
لم يقل: أشتاق إلى أم درمان.
بل جعل الأمكنة أجزاء من جسد الحبيبة وذاكرته.
ولذلك تبدو «عزة» في القصيدة كأنها امرأة تمشي في الخرطوم، وفي الوقت نفسه تمثل السودان كله.
هذه القدرة على تعدد المعنى هي التي جعلت أغنية خليل فرح قابلة للحياة بعد زمنها السياسي المباشر، فالقصيدة التي كان يمكن أن تكون ابنة لحظة سياسية، أصبحت بعد عقود أغنية وطنية عابرة للأجيال.
في الضواحي … حين تصبح الطبيعة وطنًا
وإذا كانت «عزة في هواك» قد كشفت وجه الخليل الوطني، فإن أغنيات مثل «في الضواحي وطرف المداين» تكشف لنا الشاعر العاشق للطبيعة والمكان.
هنا لا نجد الوطن في شعار، بل في التفاصيل.
الضواحي، المداين، الخضرة، الماء، المشهد والإنسان الذي يعيش بين المدينة والريف.
ولهذا بقيت الأغنية قادرة على استدعاء صورة السودان الجميل في الذاكرة، كما ظل أداؤها لاحقًا حاضرًا لدى مطربين من أجيال مختلفة. وتشير قراءات نقدية للأغنية إلى كثافة صورها الشعرية وحضور الطبيعة والوطن في بنائها الفني.
إن الخليل لم يكن يصف الطبيعة كما يفعل شاعر منظر؛ كان يستخدمها ليقول شيئًا عن الإنسان.
فالطبيعة عنده ليست خلفية للقصيدة إنها أحد أبطالها.
فلق الصباح… شاعر يرى السودان في الضوء
ومن أعماله المعروفة أيضًا فلق الصباح، التي تكشف جانبًا آخر من تجربته الشعرية.إنها صورة شاعر يراقب الفجر، لكنه لا يرى مجرد بداية يوم، يرى احتمالًا جديدًا.
والفجر عند الخليل ليس ظاهرة طبيعية فقط؛ يمكن أن يكون استعارة للخلاص، ولانكشاف الطريق بعد العتمة، وهذه إحدى خصائص شعره: أن الطبيعة عنده تتحول إلى لغة سياسية وإنسانية دون أن تتحول القصيدة إلى منشور سياسي.
بين الشعر والموسيقى
لكن الحديث عن خليل فرح باعتباره شاعرًا فقط ينتقص من تجربته، الخليل كان شاعرًا وملحنًا ومغنيًا، وهذه الثلاثية مهمة جدًا لفهم أعماله.
كان يكتب الكلمة وهو يعرف كيف ستخرج من الحنجرة. ويلحن الجملة وهو يعرف وزنها الشعوري.
ثم يؤديها بنفسه.
وهذا يمنح أغنيته وحدة نادرة بين النص واللحن والأداء.
فهو لا يكتب القصيدة أولًا ثم يبحث لها عن موسيقى لاحقة، بالمعنى البسيط للعملية؛ بل يبدو أن الكلمة والإيقاع واللحن تتخلق في فضاء واحد.
ولهذا فإن أغنياته ليست نصوصًا شعرية ملحقة بالموسيقى، ولا ألحانًا تبحث عن كلمات.
إنها أغنية مكتملة الولادة.
صوته… الطرب الذي يحمل شيئًا من الأنين، ثم يأتي صوته، وهنا ندخل إلى المنطقة التي لا تكفي فيها كتب التاريخ.
صوت الخليل ليس من الأصوات التي تدهشك بالقوة، إنه صوت يحمل الأثر.
تسمع فيه شيئًا من الشجن النوبي، وشيئًا من الوقار، وشيئًا من الحنين، لكنك تسمع قبل ذلك كله إنسانًا يغني لأنه يحمل شيئًا يريد أن يقوله، وهذا سر بقائه.
فالأداء عنده ليس استعراضًا للصوت، وإنما خدمة للمعنى.
وحين يرتفع صوته، لا تشعر أنه يريد أن يثبت أنه قادر على الارتفاع؛ تشعر أن المعنى نفسه هو الذي دفع الصوت إلى الأعلى.
وحين يهدأ، يبدو كأنه يترك للمستمع مساحة ليكمل الجملة من ذاكرته.
وهنا تلتقي الأغنية السودانية مع واحدة من أعمق خصائصها:
الطرب الذي لا يخلو من الأنين.
الخليل والحركة الوطنية
لا يمكن فصل خليل فرح عن المناخ الوطني في السودان خلال عشرينيات القرن الماضي.
كان صعود الحركة الوطنية، ثم أحداث ثورة 1924، جزءًا من المناخ الذي تشكلت داخله تجربته. وتشير دراسات تناولت دوره إلى ارتباط شعره وموسيقاه بالحركة الوطنية وبالتطور الذي شهدته الأغنية السودانية في تلك الفترة.، لكن الأهم أن الخليل لم يحول الأغنية إلى خطاب سياسي مباشر، وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فالفنان الذي يكتب شعارًا سياسيًا قد ينتصر للحظة، لكن الفنان الذي يحول الفكرة السياسية إلى جمال إنساني يستطيع أن يعيش بعد زوال الحدث.
وهذا ما حدث مع الخليل، لقد جعل الوطنية حبًا، وجعل الحرية حلمًا، وجعل السودان امرأة، وجعل المكان ذاكر، عزة لم تمت
ربما كان هذا هو الاختبار الأكبر لأي أغنية، ماذا يحدث لها بعد موت صاحبها؟ بعض الأغنيات تموت مع أصحابها، بعضها يعيش فترة ثم يبهتلكن عزة في هواك بقيت.
لم تبق لأنها أغنية وطنية فحسب، وإنما لأنها استطاعت أن تجعل الوطنية إحساسًا شخصيًا.
كل سوداني يستطيع أن يجد عزة الخاصة به.
قد تكون وطنًا، وقد تكون أمًا، وقد تكون مدينة، وقد تكون قرية بعيدة، وقد تكون زمنًا لا يعود، ولهذا تستطيع الأغنية أن تبكيك دون أن تقول لك: ابكِ وهذه هي قوة الفن الحقيقي.
الخليل الذي سبق زمانه
في تاريخ الفنون، هناك فنان يجيد ما يفعله عصره، وهناك فنان يسبق عصره، وخليل فرح من النوع الثاني، كان يكتب العامية السودانية بوعي شعري، ويستعمل الفصحى أيضًا، ويمنح الكلمة قدرة على حمل أكثر من طبقة من المعنى. وتذكر المصادر أنه كان يكتب بالعامية السودانية وبالعربية الفصحى، وأنه كان من رواد التجديد في الشعر والغناء السودانيين.
ولهذا لم يكن أثره محصورًا في جيله، يمكن أن نسمع صداه في تجارب جاءت بعده بعقود، في الفنان الذي يغني للوطن، وفي الشاعر الذي يجعل المدينة قصيدة، وفي الملحن الذي لا يفصل اللحن عن المعنى، وفي المغني الذي يعرف أن الصوت ليس غاية، وإنما وسيلة.
الرحيل المبكر… وبقاء الصوت
رحل خليل فرح في الثلاثينيات، وهو لم يبلغ الأربعين، بعد معاناة مع المرض، وكان يمكن أن يكون الرحيل المبكر نهاية الحكاية، لكنه كان بداية أخرى، فبعض الفنانين يطيلون أعمارهم بأنفسهم، وبعضهم تطيلهم أعمالهم، والخليل من الصنف الثاني.
لقد عاش أقل مما كان ينبغي، لكنه ترك أكثر مما ترك كثيرون عاشوا أطول، ترك أغنية تستطيع أن تقف في وجه الزمن، ترك لغة، ترك طريقة في النظر إلى الوطن.
ترك صورة للفنان الذي لا يختار بين الجمال والقضية؛ لأنه يعرف أن أجمل القضايا هي التي تجد طريقها إلى القلب عبر الفن.
الحلقة الرابعة:
حسن عطية… من الحقيبة إلى زمن جديد: الصوت الذي حمل الأغنية من الذاكرة إلى الحداثة.
