يتجه طرفا الحرب في السودان نحو تصعيد ميداني واسع النطاق يوسع خريطة المواجهات في محاور استراتيجية جديدة، حيث تحول جنوب وشرق إقليم النيل الأزرق إلى مواجهة مفتوحة ومحتدمة بين الطرفين، في وقت يسعى الجيش إلى قطع مسارات الإمداد العسكري لـ”الدعم السريع” في دارفور وكردفان، فضلاً عن تضييق الخناق وعزل مسارات إمداد الميليشيات في المناطق الصحراوية المفتوحة.
وبحسب بيان للفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش ومقرها الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق، فإن الجيش دفع أمس السبت، بتعزيزات عسكرية نحو بكوري بمحافظة قيسان التي سيطرت عليها “الدعم السريع” أول من أمس الجمعة، وذلك في مهمة قتالية لتعزيز القوات المنتشرة بالمحور ورفع قدرتها العملياتية. وذكر البيان أن “لواء النخبة انطلق نحو بكوري التي تعد قاعدة استراتيجية للجيش دعماً للقوات المقاتلة واستكمالاً لجهود حسم المعركة”.
إسماعيل محمد علي يكتب.. الجيش يكثف غاراته بشمال كردفان ويدفع بتعزيزات للحدود الإثيوبية
إسماعيل محمد علي يكتب.. تصعيد وتوتر في جبهات النيل الأزرق وكردفان والصحراء
من جانبه، أكد حاكم إقليم النيل الأزرق أحمد العمدة بادي أن الأوضاع الأمنية في الإقليم تحت السيطرة، مشيراً إلى أن القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها تمسك بزمام الأمور وتعمل بكل يقظة وجاهزية لحماية المواطنين وتأمين حدود الإقليم.
وتابع بادي: أن “قوات الجيش لن تسمح بأي تهديد لأمن واستقرار الإقليم وعلى المواطنين عدم الالتفات للإشاعات والمعلومات المضللة”، موضحاً أن القوات المرابطة قادرة على التعامل مع التحديات الأمنية.
وأعرب حاكم إقليم النيل الأزرق عن ثقته في تحقيق تطورات ميدانية ملموسة، مطالباً الإدارات الأهلية بمضاعفة جهود التوعية المجتمعية والتصدي لحملات التعبئة التي تهدف لإثارة القلق وسط السكان.
حشد عتاد ومركبات
في سياق متصل، أفاد مختبر الشؤون الإنسانية التابع لجامعة ييل الأميركية أنه رصد حشد عتاد في قاعدة أصوصا الإثيوبية على الحدود السودانية خلال الفترة بين 23 و28 أغسطس (آب) الجاري، ومركبات تكفي لتشكيل قوة بحجم فوج كبير إلى لواء، وقادرة على نقل ما بين 750 و1000 فرد”.
وتوقع المختبر في تقرير له أن “تؤدي الزيادة في إمدادات العتاد والمركبات في القاعدة الإثيوبية إلى زيادة خطر وقوع هجوم كبير ووشيك من جانب ’الدعم السريع‘ على الدمازين”.
ولفت إلى أن الأسبوع الأخير من أغسطس شهد وصول 100 مركبة فنية إلى هذه القاعدة، موزعة على ثلاث مجموعات، بزيادة تصل إلى ستة أضعاف العدد الذي كان موجوداً خلال 23 أغسطس، مشيراً أيضاً إلى أنه رصد تجهيزات لتركيب أسلحة ظاهرة على عدد من المركبات الفنية الخفيفة، بما يشمل تزويد خمس مركبات بأسلحة مثبتة، إلى جانب مجموعة أخرى تضم 15 مركبة تتوافق مع ناقلات جند مدرعة.
ويعزز تقرير جامعة ييل اتهامات الحكومة السودانية لإثيوبيا بتقديم تسهيلات ودعم لوجستي إلى قوات الجماعة، مع السماح لها بشن هجمات انطلاقاً من أراضيها.
ويستند المختبر في تقاريره عن السودان إلى تحليل صور الأقمار الاصطناعية، مع بيانات الاستشعار من بعد ومراجعة المصادر المفتوحة، بما في ذلك التقارير الإعلامية المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي، مع إخضاعها للتحقق والمقارنة قبل الوصول إلى النتائج النهائية.
وتوقع أن يكون حشد “الدعم السريع” في النيل الأزرق بمثابة محاولة لإضعاف الجيش في شمال كردفان، مما يشير إلى زيادة خطر تنفيذ عمليات قتالية متزامنة في الأبيض ومناطق في شمال كردفان.
أزمة طويلة الأمد
من جانبه، أكد مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان أن الوضع الإنساني في النيل الأزرق مرشح لأزمة طويلة الأمد، وذلك بسبب بقاء غالبية النازحين في مواقعهم من دون العودة إلى مناطقهم الأصلية التي فروا منها.
وقدر المرصد عدد النازحين من مدينة الكرمك بأكثر من 30 ألف شخص، وفي قيسان بحوالى 6 آلاف شخص، وفي مدينة باو بـ15 ألف شخص، فضلاً عن بقاء أكثر من 100 ألف شخص من جملة 375 ألف نازح في مدينة الدمازين.
ويعيش 72 في المئة من النازحين في مواقع تجمعات غير رسمية، و21 في المئة مع المجتمعات المستضيفة، وسبعة في المئة في المدارس والمرافق العامة، وفق المرصد.
وتشير بيانات منظمة الهجرة الدولية إلى أن أكثر من 375 ألف شخص غادروا منازلهم في إقليم النيل الأزرق بسبب العمليات العسكرية، إذ نزحت الغالبية إلى مدينة الدمازين والمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.
أكثر الجبهات تصعيداً
وتتصدر جبهة النيل الأزرق جبهات القتال الأكثر تصعيداً هذه الأيام وأهمية من الناحية الاستراتيجية، بعد أن كانت تعامل خلال مراحل سابقة باعتبارها جبهة ثانوية مقارنة بمحاور كردفان ودارفور.
ويتوقع مراقبون عسكريون أن تشهد هذه الجبهة تطورات عسكرية جديدة خلال المرحلة المقبلة، في ظل معلومات متداولة عن تصاعد الدعم العسكري واللوجستي لـ”الدعم السريع” في المنطقة، الذي يشمل ترتيبات لوجستية تهدف إلى تقليص المسافات الخاصة بخطوط الإمداد، وهو ما يعني انتقال النيل الأزرق إلى مستوى مختلف من الاهتمام العسكري، خصوصاً مع ارتباط المنطقة بحدود السودان الشرقية وموقعها القريب من مسارات إمداد إقليمية.
ويؤدي تصاعد أهمية النيل الأزرق، بحسب هؤلاء المراقبين، إلى تداعيات تتجاوز حدود المعارك المحلية، نظراً لحساسية موقعها الجغرافي وتشابكها مع الحدود الإثيوبية، الأمر الذي يجعل أي تطور عسكري فيها مرتبطاً بصورة مباشرة بالحسابات الإقليمية للحرب في السودان.
وترجح التقارير العسكرية أن تتصاعد وتيرة العمليات في مناطق النيل الأزرق، مما يجعلها أمام مرحلة جديدة قد تعيد ترتيب أولويات هذه العمليات، خصوصاً إذا استمرت عمليات الإمداد والتحركات عبر الحدود. في وقت، تشير المعطيات الميدانية إلى أن الجيش يعمل على إعادة ترتيب حساباته في هذه الجبهة، مع تركيز أكبر على منع تدفق الإمدادات والحيلولة دون تحول المنطقة إلى قاعدة متقدمة لدعم العمليات العسكرية.
ويشهد إقليم النيل الأزرق منذ أشهر معارك متقطعة بين الجيش وحلفائه من جهة، وقوات “الدعم السريع” وحلفائها من جهة أخرى، وتبادل الطرفان السيطرة على مواقع عدة، مما تسبب في موجات نزوح واسعة وسط المدنيين. كما يكتسب الإقليم أهمية استراتيجية بالغة بحكم موقعه الحدودي المحاذي لدولتي إثيوبيا وجنوب السودان.
قتل ونهب
في محور كردفان، أشارت غرفة طوارئ دار حمر إلى مقتل أربعة مدنيين في هجمات وانتهاكات ارتكبتها قوات “الدعم السريع” في منطقة القاعة غرب مدينة بارا وعدد من القرى المجاورة بولاية شمال كردفان.
وذكرت الغرفة، في بيان، أن “الهجمات شملت عمليات قتل ونهب وسلب وترويع للمواطنين، في منطقة تشهد توتراً أمنياً متصاعداً وسط استمرار النزاع المسلح في أجزاء واسعة من كردفان”.
ودعت الغرفة الجيش إلى التحرك لاستعادة المناطق التي تشهد هذه الانتهاكات، بتوفير الحماية للمدنيين. وطالبت المنظمات الإنسانية والهلال الأحمر بالتدخل العاجل لإغاثة المتضررين وإسعاف المصابين، وناشدت سكان المنطقة توخي الحيطة والحذر وتعزيز التكافل المجتمعي في ظل الأوضاع الأمنية المتدهورة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد مناطق واسعة من شمال كردفان اضطرابات أمنية متواصلة، أدت إلى تقييد حركة المدنيين وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، بينما يواجه السكان أخطار النزوح والعنف والانتهاكات المرتبطة بتغير السيطرة العسكرية على عدد من المناطق.
قصف جوي
في المحور نفسه، قتل ثلاثة مدنيين وأصيب 14 آخرون، بينهم نساء وأطفال، إثر استهداف طائرات مسيرة تتبع لـ”الدعم السريع” مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان.
وأكدت مصادر عسكرية أن القصف الجوي ركز على مواقع مدنية، من بينها ثلاث مركبات تحمل بضائع ومواد غذائية، إحداها بحي التومات، وأخرى أمام محكمة الدلنج، والثالثة داخل سوق الدلنج، مما أدى إلى احتراق عدد من المركبات وتلف ما كانت تحمله من مواد.
ويأتي هذا القصف وسط أوضاع أمنية وإنسانية متفاقمة تعيشها المدينة، جراء هجمات متكررة بالطائرات المسيرة والقصف المدفعي على أهداف مدنية، مما تسبب في مقتل وإصابة العشرات.
كارثة عطش
خدمياً، رصدت هيئة حقوقية انخفاضاً في طاقة الآبار والمصادر الموسمية التي يعتمد عليها السكان في دارفور وكردفان هذا العام، وذلك نتيجة آثار الحرب والعمليات العسكرية، بالتزامن مع الانخفاض الحاد في معدلات الأمطار.
ونوهت هيئة محامي الطوارئ في بيان إلى أن الأزمة تفاقمت جراء الأضرار التي طاولت منظومة المياه، بما في ذلك الهجمات وتخريب السدود والخزانات ومحطات المياه، وتدمير ألواح وأنظمة الطاقة الشمسية التي تشغل المضخات، فضلاً عن استهداف أو عرقلة شاحنات نقل المياه. وأكدت أن القيود المفروضة على حركة المدنيين ووصول الغذاء والمياه والمساعدات الإنسانية أدت إلى زيادة صعوبة الحصول على الحاجات الأساسية.
وأشار البيان إلى أن الانخفاض في مصادر المياه تسبب في ارتفاع أسعارها، ليضطر المواطنون في بعض المناطق إلى الاعتماد على مصادر غير مأمونة أو غير صالحة للشرب، مما يرفع أخطار الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه، ويهيئ لانتشار الأوبئة، في ظل ضعف الخدمات الصحية.
وذكر أن المعاناة لا تقتصر على نقص المياه في كردفان ودارفور؛ إذ تهدد ندرة المياه الزراعة والثروة الحيوانية وسبل البقاء، وتنذر بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، فضلاً عن زيادة أخطار النزوح والتهجير.
وحذر من أن استمرار الحرب وتدمير مصادر المياه وبنيتها التحتية، بالتزامن مع ندرة الأمطار والانخفاض الشديد في مناسيب المياه الجوفية، ينذر بكارثة عطش وجوع وأزمة صحية أوسع، لا سيما مع استمرار القيود على حركة السكان وتدفق الغذاء والمياه والمساعدات.
استرداد أبو سروج
في محور دارفور، تمكن الجيش والقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة أمس السبت، من السيطرة على منطقة أبو سروج في محلية سربا بولاية غرب دارفور، وفق والي الولاية، بحر الدين آدم كرامة.
وأضاف كرامة في تصريح صحافي أنه “في إطار خططنا المحكمة لاستعادة ولاية غرب دارفور، وبفضل شجاعة وتصميم أبطالنا في القوات المسلحة والقوات المشتركة وجميع التشكيلات العسكرية، تم تحرير وحدة أبو سروج الإدارية التابعة لمحلية سربا”.
واعتبر هذا الإنجاز بمثابة ثمرة تضحيات الأبطال، والتخطيط الدقيق، والتنسيق رفيع المستوى بين جميع القوات النظامية وأبناء الشعب السوداني، مؤكداً أن حكومة غرب دارفور تتعهد المضي قدماً حتى استرداد كل شبر من أرض الوطن، وهزيمة كل من يجرؤ على تهديد أمن البلاد واستقرارها.
وتخوض القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش معارك متصاعدة ضد قوات “الدعم السريع” في ولاية غرب دارفور خلال الأسابيع الأخيرة، وتتحرك هذه القوات عبر مناطق شمال دارفور في عمليات باتت تشكل تهديداً لقوات الجماعة التي تطمح إلى استمرار سيطرتها على غالبية إقليم دارفور.
