(ودع قوم .. سيب الخرطوم) .. عطلة العيد .. مليونان(اثنان) يغادرون عاصمة (التُرك)

ضاقت عليهم القرى، وفي قراءة ورواية أـخرى ضيقت عليهم، فقيل اهبطوا الخرطوم، فإن لكم ما سألتم، وهكذا يمم زهاء الثلاثة ملايين ولائي، شطر العاصمة بحثاً عن الخدمات، وعن الأمن تارات، ولكنهم ما دروا أن (كرش الفيل) التي تضّيع أبناءها، فهي لمن سواها أضيع.

بالتالي يعرف القادمون أن خرطوم (الترك) مدينة مصطنعة وثقيلة على القلب، يعرفون ذلك مرات قبل أن يفدوا إليها، وأحياناً لما يتركونها، ولكن متى ما انفك قيدهم ويمموا شطر ديارهم، وصلوا الى قناعة أنهم استبدلوا كل أمنياتهم عن المن والسلوى، بالفوم والعدس والبصل، بغير سلوى، ومن دون خيارات ثانية (فمن كتبت عليها خطىً مشاها).

لكن الأمانة تقتضي إيراد رأي أهل الخرطوم في خرطومهم، وهو رأي يضع مدينتهم في مصاف الفراديس، وليس بعيداً عن أنوار باريس.

مليونا مغادر

مليون من ساكني العاصمة التي غلقت أبوابها في وجههم، لم يجدوا بداً من الارتماء في أحضان ولاياتهم التي ازينت لهم مع موسم الأعياد، وقالت (هيت لكم)، فيما هم لا يملكون قدرة يوسف، أو صورة يعقوب لتعصمهم من الغواية.

وعلاوة على المليون الذين وصلوا لأهليهم –بالفعل- سالمين، ولا نعرف لهم (غنماً) في الخرطوم التي لا تعرف زراعة أو مرعىً، ولا ترعوي لأحد؛ فإنه من المقرر طبقاً لإفادات الأمين العام لغرفة البصات السفرية، عوض عبد الرحمن، للزميلة (المجهر) أن يخرج من الخرطوم ما يربو عن الـ (150) ألف مواطن يومياً ابتداءً من (الأـربعاء) وحتى مقدم العيد الذي تنحو قراءات الفلكيين الى أنه يصدف يوم الأحد المقبل.

وبحسبة بسيطة، فإن (600) ألف من أهالي الولايات سيغادرون كشوفات الخرطوم قبيل العيد عبر الميناء البري، زد عليهم من يغادر عبر محطات سفر أخرى، و(الخوارج) المغادرين عبر عمليات (التهريب) التي تطير بالركاب الى مبتغاهم دون المرور بالميناء البري ودونما (منفستو)، وهو ما يجعل تقديراتنا تذهب إلى أن حوالي مليوني(اثنين) نسمة سيغادرون الخرطوم لقضاء عطلة الأيام التسعة.

جدل معتاد

مع كل عيد، تعلو جدلية المركز والهامش، ولأصور لكم ذلك، سآخذكم إلى مشهد عايشته، وأعايشه على الدوام بحكم سكناي بالقرب من الميناء البري.

ففي الهايس المتمخترة في شارع (الصحافة زلط) كحال هريرة في طريقها لبيت جارتها، من فرط التزاحم والتكاتف، أعلن راكب خرطومي، نزل بعد محطة (7) بقليل، عن سخطه من إنشاء الميناء البري في نهايات حيهم الذي يغني سكانه (الصحافة صحافة العظام، من سبعة لحدي الحزام).

الراكب لعن لأكثر من (70) مرة، وكأنما محطة (7) بعشرة أمثالها. لعن تحملهم وزر الضغط على مركباتهم العامة، ولعن الشارع الضيق رغم أـنف كل توسعة، ولعن الجشع الذي يجعل بعض السائقين يزيدون في تعرفة النقل المعتادة ومن ثم أرسل الأمنية المعتادة (يا ريت الخرطوم دي يقفلوها في العيد، الجوة جوة، والبرة برة).

وهنا –كما العادة السنوية- تدخل الركاب لا سيما الميممين شطر الميناء (وهاصت الهايس هيصة جبانة) فهاجموا خرطومية الرجل، وكشرت حكاوي المركز والهامش عن أنيابها، وصدرت مطالبات للرجل الساخط بأنه وفي حال عجز عن مقابلة ازدحام الشارع فليترك (الصحافة وميناها)، بل وكادوا أن يهتفوا له في كوارلية الربيع العربي (ارحل).

شكاوي

دعونا من أحاديث المجتمع، ولنقل ما يقوله قادة الخرطوم وولاة أمورها. فقد شكا الوالي الحالي، الفريق أول ركن مهندس عبد الرحيم محمد حسين، من تحمل ولايته بميزانيتها المحدودة عبء استضافة القادمين من الولايات.

وإن شكا الجنرال، فقد دعا أخ له من قبل، هو الوالي عبد الرحمن الخضر، من غالبتهم الحياة في الخرطوم، لمغادرتها، وفي كلا الحالين فإنه يجوز لنا القول إن ولاة الخرطوم مع بعض من أهاليها يرفعون شعار (الخرطوم للخرطوميين).

ويبلغ سكان الخرطوم بحسب آخر إحصاء سكاني جرى في العام 2009م (5) ملايين و(247) ألف نسمة، ومن ثم جاء انفصال الجنوب في 2011، ولكن كل من ألقى السمع يعرف أن خرطوم عصر التضخم قد بارحت محطة الـ (5) ملايين نسمة، منذ زمن بعيد.

وفي أقل التقديرات، يمكن القول إن سكان العاصمة أكثر من (10) ملايين نسمة، استناداً إلى تقديرات المجلس الأعلى للتخطيط الإستراتيجي لعدد الأجانب الذين يجوسون في قلب الخرطوم، إذ قدرهم بثلاثة ملايين أـجنبي بما نسبته 40% من جملة سكان عاصمة اللاءات التي لا ترفضن أحداً جاءها ابداً.

وفي عيد الأضحى السابق قدرت غرفة الباصات والحافلات السفرية، أعداد المغادرين نواحي الولايات بـ (3) ملايين نسمة، وعليه هي 40% ثانية من جملة السكان، ما يمككنا القول إن من يتشبثون بأهداب الخرطوم هم حوالي 20% فقط من جملة قاطنيها.

تعمق

يطالب المحلل السياسي، محمد نورين في حديثه مع (الصيحة) بالنأي عن دارسة القضية بمعزل عن التحولات السياسية والاقتصادية التي قادت السودانيين لهجر محال الإنتاج والتوجه تلقاء المدن الرئيسة وفي مقدمتها الخرطوم.

مضيفاً بأن تحوير المشكل وإضماره فقط في طي نظرية المركز والهامش ووضعه في حوايا كل حقيبة سفر تصل إلى الميناء البري، لهو تهديد حقيقي للأمن المجتمعي، وينذر بشر مستطير.

بيد أن المحلل الاقتصادي، خالد يوسف، نحى منحى أهل الخرطوم، وقارن بأحوال العاصمة قبل وبعد العيد، منبهاً إلى أن الضغط على الخدمات في موسم الأعياد يقل بشكل كبير، وتسهل الحركة، وتتيسر عمليات التأمين، ويتواصل الإمداد الكهربائي ليل نهار، وكل تلك أمور قال لـ (الصيحة) إن انفاذها في الأيام العادية يشوبه عنت كبير.

صدر رحب

إن كنت من أهالي الخرطوم، أنّا وصلها أهلوك، فاستمتع بعاصمة قليلة الحركة، وتعرف على ما انكشف من حجب معالمها في عاديات الأيام. أما إن كنت من أهل الولايات، فاترك الخرطوم وراءك ظهريا، وعش طيباً في بلاد طيبة محفوفاً بمحبة أهلها ودعواتهم.

أخيراً، لا تبالي بمن يلعن لك العاصمة، وتقبل من يقول لك اخرج منها، فكله عبث يجافي جدية الحقيقة، و(كل أجزائه لنا وطن).
الصيحة

Exit mobile version