رحلة علاج عابرة انتهت بفاجعة مؤلمة
أيادٍ بيضاء امتدت للمتعففين في صمت
التكايا والإعانات تكشف وجهًا إنسانيًا نادرًا
الأعياد كانت موعدًا ثابتًا لمساندة المحتاجين
مسيرة قصيرة تركت أثرًا يتجاوز المناصب
لم يكن أحد يتوقع أن تتحول رحلة علاج بدت في بدايتها عابرة إلى الفصل الأخير في حياة المهندس عمر النمير، رئيس نادي المريخ السابق، الذي رحل مساء الجمعة في العاصمة المصرية القاهرة، وهو لا يزال في عنفوان شبابه، تاركًا خلفه حزنًا كبيرًا في الوسط الرياضي وبين أصدقائه وكل الذين عرفوه واقتربوا من تجربته الإنسانية.
والي الخرطوم ينعي رجل الاعمال عمر النمير و يشيد بإسناده للمواطنين خلال الحرب
وفاة عمر النمير رئيس المريخ السابق في العاصمة المصرية القاهرة
هشام عز الدين يكتب: عمر النمير.. كما عرفته
قبل نحو شهر فقط، دخل النمير أحد مستشفيات القاهرة لإجراء منظار، وهو إجراء كان يفترض أن ينتهي سريعًا ويعود بعده إلى حياته الطبيعية. لكن، وفقًا للمعلومات المتداولة وسط أسرته والمقربين منه، حدثت مضاعفات تمثلت في ثقب بالمريء، لتبدأ رحلة لم يكن يتصور أحد أنها ستقوده إلى النهاية.
عودة الأمل
خضع النمير للعلاج وتحسنت حالته، وعادت الطمأنينة إلى أسرته وأصدقائه. وبدا أن الأزمة أصبحت خلفه، فغادر القاهرة برفقة عائلته إلى مدينة العلمين الساحلية، بحثًا عن الراحة والاستجمام بعيدًا عن أجواء المستشفيات والعلاج.
كان يريد أن يستعيد حياته بهدوء، وأن يمنح جسده فرصة للراحة بعد الأيام الصعبة.
لكن بعد نحو أسبوع، شعر بآلام جديدة اضطرته إلى التوجه إلى مستشفى آخر. وهناك، بحسب الرواية المتداولة، تبين أن المضاعفات السابقة تسببت في تجمع صديد أدى إلى تسمم في الدم.
كانت لحظة جديدة من القلق، إلا أن التدخل الطبي أعاد الأمل مرة أخرى. تلقى العلاج اللازم، وتحسنت حالته بصورة واضحة، ثم غادر المستشفى.
فرحة الشفاء
عاد النمير إلى استقبال زواره، وعادت الابتسامة إلى وجوه المقربين منه. كان الرجل يبدو وكأنه تجاوز المحنة بالفعل، حتى إنه أقام «كرامة» بمناسبة شفائه، في تقليد سوداني يعبر عن الحمد والامتنان بعد تجاوز المرض والبلاء.
في تلك اللحظات، لم يكن الموت حاضرًا في حسابات أحد.
الأصدقاء يطمئنون عليه، والأسرة تحمد الله على سلامته، والرجل نفسه يستقبل المهنئين، بعدما ظن الجميع أن الصفحة الصعبة قد طُويت.
لكن القدر كان يخبئ فصلًا آخر.
فجأة، تراجعت حالته الصحية بصورة حادة، وأعيد إلى المستشفى. هذه المرة كانت المعركة أقصر وأقسى، قبل أن يأتي مساء الجمعة بالخبر الذي لم يكن أحد مستعدًا لسماعه: عمر النمير رحل.
تحولت «كرامة الشفاء» في زمن قصير إلى ذكريات موجعة، وتحولت رسائل الاطمئنان إلى تعازٍ، وعمّ الحزن مجتمع المريخ والوسط الرياضي.
رجل أعمال
برز عمر النمير خلال السنوات الأخيرة واحدًا من رجال الأعمال الشباب الذين استطاعوا بناء حضور لافت، لكن الرياضة، وتحديدًا المريخ، أخذت جانبًا مهمًا من حياته.
وعندما احتاج النادي إلى قيادة في واحدة من أصعب فتراته، وجد النمير قبولًا واسعًا وسط المريخاب، فتولى رئاسة النادي بمباركة قطاعات كبيرة من جماهيره وقياداته.
لم تكن المهمة سهلة. فالسودان يعيش ظروف الحرب، والنادي نفسه يواجه تحديات إدارية ومالية ورياضية كبيرة، بينما اضطر مجلس الإدارة إلى إدارة جانب كبير من شؤونه من القاهرة.
ورغم كل ذلك، دخل النمير التجربة بطموحات كبيرة.
دعم المريخ
خلال نحو عامين في رئاسة النادي، أنفق النمير ملايين الدولارات من أجل بناء فريق قوي والمحافظة على حضور المريخ ومكانته، وسعى إلى إحداث نقلة في أسلوب الإدارة وتوفير احتياجات الفريق في ظروف استثنائية.
لم يكن ينظر إلى رئاسة المريخ باعتبارها منصبًا شرفيًا، بل مسؤولية تتطلب الإنفاق والعمل واتخاذ القرارات الصعبة.
وفي الوقت الذي كانت فيه الحرب تفرض واقعًا قاسيًا على الأندية السودانية، تحمل أعباء كبيرة من أجل استمرار النشاط، وظل المريخ حاضرًا رغم صعوبة الظروف.
ثم اختار في نهاية تجربته أن يقدم استقالته من رئاسة النادي ويفسح المجال لغيره، مغادرًا المنصب بهدوء بعد أن أدى ما رآه واجبًا تجاه النادي الذي أحبه.
لكن خروجه من الرئاسة لم يعنِ انتهاء علاقته بالمريخ، ولا توقف عطائه.
وجه إنساني
خارج أسوار النادي، كانت هناك صورة أخرى لعمر النمير ربما لم يعرف تفاصيلها كثيرون.
كان قريبًا من الفقراء والمحتاجين والمتعففين، وامتدت أياديه إلى أسر كثيرة في ظروف الحرب القاسية. قدم الإعانات، وأسهم في تنظيم التكايا، وحرص على مساندة المحتاجين، بعيدًا في كثير من الأحيان عن الأضواء.
وامتد اهتمامه إلى الرياضيين وأصحاب الحاجة منهم، خصوصًا في المناسبات والأعياد، وشكّل لهذا الغرض لجنة من بعض الشخصيات الموجودة في الخرطوم، كانت تتولى تنفيذ توجيهاته وإيصال المساعدات إلى مستحقيها.
كان يستطيع أن يكتفي بمكانته كرجل أعمال ورئيس سابق لأحد أكبر أندية السودان، لكنه اختار أن يجعل للعطاء مساحة في حياته.
وداع مبكر
رحل عمر النمير في توقيت لم يكن أحد يتوقعه، وفي عمر كان لا يزال يحمل معه الكثير من الأحلام والمشروعات.
وربما لهذا كان وقع الخبر أشد قسوة.
فقبل أيام فقط كان يستقبل المهنئين بسلامته، ويقيم «كرامة» احتفاءً بالشفاء، ثم جاء الجمعة ليكتب السطر الأخير في رحلة قصيرة بين المرض والأمل والرحيل.
سيختلف الناس في تقييم تجربته الإدارية، كما يحدث مع كل من يتولى مسؤولية نادٍ جماهيري كبير بحجم المريخ، لكن ما يصعب الاختلاف حوله أن الرجل دخل التجربة في ظرف بالغ التعقيد، وأنفق من ماله، وتحمل المسؤولية، ثم غادر موقعه دون أن يغادر دائرة العطاء.
رحل الرئيس السابق، وبقيت سيرته بين المريخاب، وبقيت أياديه التي امتدت إلى المحتاجين شاهدة على جانب آخر من حياته.
وبين مستشفى دخله لإجراء منظار، و«كرامة» أقامها فرحًا بالشفاء، ومستشفى عاد إليه للمرة الأخيرة، انطفأت حياة عمر النمير على نحو موجع ومباغت.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وأهله وأصدقاءه وجماهير المريخ الصبر وحسن العزاء.
