رشان اوشي تكتب : من يعرقل خبز السودانيين؟

لماذا تصر الدولة على استيراد ما تستطيع زراعته؟ ولماذا تدفع مئات الملايين من الدولارات لشراء القمح من الخارج، بينما يمكن إنتاجه داخل السودان بتكلفة أقل؟
هذه الأسئلة حملتها معي في عودتي من رحلة قصيرة إلى الولاية الشمالية؛ أرض النيل والنخيل، حيث جلست إلى صناع القرار و المزارعين و المواطنين، و استمعت إلى واقع زراعي يكشف أن المشكلة ليست في الأرض، و لا في قدرة الدولة على الإنتاج، و إنما في القرار و التمويل.
خذوا القمح مثالاً، ينتج السودان، في الظروف العادية، نحو (500) ألف طن، بينما يحتاج إلى استيراد (1.3) مليون طن سنوياً، بكلفة تقارب (600) مليون دولار.
في المقابل، تقول خطة الولاية الشمالية إن زراعة مليون فدان من القمح يمكن أن تنتج
1.8 مليون طن، بينما تبلغ تكلفة تمويل الموسم الشتوي (237) مليون دولار فقط، شاملة مدخلات الإنتاج والخدمات الفنية والعمليات الزراعية.

رشان أوشي تكتب: دواجن النيل.. من يملك الدجاجة التي تبيض ذهباً؟
فلماذا ندفع (600) مليون دولار للاستيراد، بينما يمكن إنتاج حاجتنا بأقل من نصف هذا المبلغ؟ هذا السؤال ليس موجهاً إلى وزارة المالية و بنك السودان ومجلس الوزراء فحسب، بل إلى كل من يملك قرار التمويل والاستيراد.
في الموسم السابق، زرعت الشمالية (885) ألف فدان، بينها (200) ألف فدان قمح، وتستهدف هذا الموسم زراعة (1.1) مليون فدان، بينها (320) ألف فدان قمح، مع التوسع في زراعة السمسم و الفول السوداني و عباد الشمس وفول الصويا والقطن والتوابل والنباتات الطبية و العطرية.
و بعد تدمير البنى التحتية للكهرباء بفعل المليشيات، اتجهت الولاية إلى الشمس باعتبارها مورد متاح، فارتفعت الطاقة الشمسية المستخدمة في القطاع الزراعي من (18) إلى (41) ميغاواط هذا العام، فيما يجري العمل على وحدة مركزية بطاقة (20) ميغاواط، تبرع بها رئيس مجلس السيادة.
و نتيجة لذلك، انخفضت تكلفة الإنتاج بنحو (16%) حتى الآن، مع إمكانية الوصول إلى (37%).
لكن المشكلة لا تزال في التمويل. تبلغ ميزانية الموسم الشتوي نحو (1.3) ترليون جنيه، وتقول التقديرات الرسمية إن توفير (10%) فقط منها يمكن أن يصنع الفارق في نجاح الموسم.
و الأكثر إثارة للتساؤل أن ولاية الجزيرة حصلت في الموسم الثاني على نحو (13) ترليون جنيه، مقابل (1.2) ترليون للشمالية، بينما تكشف الأرقام الرسمية عن إنتاجية بلغت (1.8)طن للفدان في الشمالية، مقابل ربع الكمية في الجزيرة.
و هنا يبرز السؤال الأصعب، هل يذهب التمويل إلى حيث يحقق أعلى إنتاج؟ أم أن القرار أسير تضار المصالح؟، عندما تنفق الدولة (600) مليون دولار لاستيراد القمح، بينما يمكنها استثمار (237) مليون دولار لإنتاجه محلياً، يصبح السؤال، من المستفيد من بقاء السودان مستهلكاً للقمح، و ليس منتجاً له؟ السودان لا يحتاج إلى معجزة ليصبح منتجاً للقمح؛ يحتاج فقط إلى أن تتوقف الدولة عن تمويل الاستيراد على حساب الإنتاج.
و لذلك، فإن دعم الشمالية استثمار في الأمن الغذائي، و قيمة العملة، و مستقبل البلاد.
و في النهاية، نطرح السؤال الأخطر، من يعرقل هذه الخطط؟
و هل عجز الدولة عن تمويل الإنتاج عجز مالي حقيقي، أم أن المشكلة أعمق من ذلك؟
محبتي و احترامي.

رشان اوشي

Exit mobile version