إبراهيم شقلاوي يكتب: فوضى صناعة الخبز

من المعلوم ان أسعار الخبز في اي مجتمع تعد مؤشر مهم للاستقرار، وتقيم مباشر لقدرة الدولة على حماية حياة المواطنين . ولذلك فإن ما تشهده ولاية الخرطوم هذه الأيام من فوضي و اضطراب في صناعة وبيع الخبز يكشف خللاً في إدارة اقتصاد الحرب، وفي العلاقة بين الدولة والسوق.

فخلال الأيام الماضية دخل سوق الخبز مرحلة من الفوضى العجيبة ، فألف جنيه تشتري أربعة أرغفة في بعض المخابز، وثلاثة في أخرى، ورغيفين في أخر ، مع تفاوت في الأوزان والجودة، وفي نوع المحسنات المستخدمة. وعندما تختفي المواصفة الموحدة والرقابة الفاعلة، يصبح المواطن أمام سوق لا يعرف فيه ماذا يشتري، ولا بأي معيار يُحدد ما يحصل عليه.

إبراهيم شقلاوي يكتب: زووم الحوار السوداني

إبراهيم شقلاوي يكتب: مرتضى الغالي… نقد أم محاكمة؟

إبراهيم شقلاوي يكتب: لجنة عدم النصيحة

لا تنفصل هذه الفوضى عن الأزمة الاقتصادية. فتراجع الجنيه وارتفاع أسعار العملات، انعكسا مباشرة على الدقيق ومدخلات الإنتاج، وارتفع سعر جوال الدقيق، وفقاً لما أعلنته المخابز، من 77 ألف جنيه إلى 108 آلاف جنيه، إلى جانب ارتفاع الزيت والخميرة والأجور. وهي ضغوط لا يمكن تجاهلها، لكنها لا تعني أن يكون المواطن الحلقة الاضعف.

وقد تحركت حكومة ولاية الخرطوم بإعفاء المخابز من الرسوم حتى نهاية العام، مقابل الالتزام بالأسعار السابقة، إلى جانب تشكيل لجان لمعالجة انسياب الدقيق ومراجعة السياسات المتعلقة بأسعاره . وهذه خطوة مهمة، الا انها غير كافية، ما لم تُعالج جذور اختلال الإنتاج والتوزيع والتسعير.

لكن أصل المشكلة يتجاوز إعفاء الرسوم أو تثبيت السعر. فالأزمة تكشف، للأسف محدودية إدارة المشكلات بالمبادرات الموقتة . فكلما تم إطلاق أسواق للبيع المخفض كلما ارتفعت الأسعار، ثم تعود الأزمة بعد فترة، يجري التعامل مع الخبز غالباً باعتباره مشكلة عاجلة تحتاج إلى تسوية مؤقتة، لا باعتباره جزءاً من منظومة أمن غذائي واقتصادي. وهنا يظهر الفرق بين إدارة الأزمة وإدارة الاقتصاد التنموي لأجل الاستقرار.

أسواق البيع المخفض ،يمكن أن تقدم دعماً مهماً، كما أن تقليل دور الوسطاء وربط المنتج بالمستهلك خطوة تستحق التقدير، لكن هذه الإجراءات تفقد أثرها عندما لا تصل إلى المواطنين ، أو عندما تلتهم تكلفة المواصلات و المضاربة الفارق الذي يفترض أن يستفيد منه المواطن . لذلك لا ينبغي أن تتحول المبادرات إلى بديل عن السياسة الاقتصادية.

اقتصاد الحرب لا يُدار بقواعد الاقتصاد العادي ،فالخبز والدقيق وغيرها سلع إستراتيجية تتطلب تدخلاً يوازن بين الإنتاج، استقرار السوق، وقدرة المواطن على الشراء. والمطلوب ليس إقصاء القطاع الخاص، بل استعادة الدولة لدورها في ضبط السوق ومنع الاحتكار والغش وحماية السلع . وهذا يقتضي إدارة متكاملة لسلسلة الإنتاج، من تأمين القمح والدقيق إلى المطاحن والتوزيع ، مع رقابة صارمة على الأوزان والمواصفات والجودة، حتى لا يصبح رغيف المواطن رهينة لفوضى السوق.

كما تفرض الأزمة استعادة الطاقات الإنتاجية الأساسية ، وفي مقدمتها المخابز الآلية ، مع منح المؤسسة الاقتصادية التعاونية او اي جسم اخر دورًا مباشرًا في إنشاء مخابز منتشرة بالولاية والمحليات. فوجود ذراع إنتاجية للدولة في سلعة استراتيجية كالخبز لا يعني إقصاء القطاع الخاص، بل يضمن حدًا أدنى من الإمداد ويمنح الدولة قدرة حقيقية على ضبط السوق. فالأمن الغذائي جزء من الأمن الوطني، واستعادة الدولة تكتمل بامتلاك أدوات إنتاج الضرورية وحماية المواطن من فوضى السوق.

فالدولة القادرة لا تكتفي بإعلان التدابير عند اشتداد الأزمة، وإنما تبني نظاماً يمنع تحوّل الأزمة إلى فوضى. وهي لا تحارب المنتج، لكنها تمنع أن يتحول ضعف الرقابة إلى عبء يدفع ثمنه المستهلك. ولا تلغي السوق، لكنها تضع له حدوداً عندما يتعلق الأمر بمعاش الناس وأمن المجتمع.

فوضى صناعة الخبز بحسب #وجه_الحقيقة، ليست خللاً في السوق وحده، بل موشر على خلل في إدارة الدولة للسلع الاستراتيجية. وفي اقتصاد الحرب، لا يجوز أن يُترك قوت المواطن لمنطق الندرة والمضاربة، فاستعادة هيبة الدولة تبدأ بامتلاك قرار الإنتاج والتوزيع وضبط السوق. فالخبز ليس سلعة عادية، ومن يعجز عن تأمين الرغيف يعجز، بالضرورة، عن حماية الاستقرار واستعادة الامن .

Exit mobile version