الجيش السوداني يحبط هجوما على الدلنج ويواصل زحفه في شمال كردفان

اتسم الوضع العملياتي في جبهات القتال المختلفة في السودان أمس الثلاثاء بتصعيد ميداني وإنساني حاد، تركزت أبرز مجرياته في محور شمال كردفان، الذي شهد تحركات عسكرية متسارعة وتقدماً ميدانياً لافتاً للجيش وحلفائه، قابله تصعيد عنيف بالمسيرات من جانب قوات “الدعم السريع” ضد مناطق ومرافق مدنية.

وبحسب مصادر عسكرية، فإن الجيش مسنوداً بالقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة نجح في استعادة منطقة “كباش النور”، بمحلية جبرة الشيخ، التي تعد حلقة وصل استراتيجية واقتصادية حيوية تربط العاصمة الخرطوم ومناطق وسط السودان بـغربه.

معركة “حمرة الوز”.. هل تمهد لسيطرة الجيش السوداني على كردفان؟

الجيش يحد تحركات “الدعم السريع” بشمال دارفور والنيل الأزرق

يأتي هذا التقدم عقب إحكام الجيش سيطرته أخيراً على مناطق الطندب، وأم سرة، والصافية، وحمرة الوز، إذ تهدف هذه العمليات إلى التأمين الكامل لطريق الصادرات الاستراتيجي الرابط بين الخرطوم وشمال كردفان، وتضييق الخناق على المعاقل المتبقية لـ”الدعم السريع” في سودري وجبرة الشيخ.

استهداف المدنيين
في الأثناء، لقي 13 شخصاً حتفهم، وأصيب أكثر من 20، إثر قصف نفذته طائرة مسيّرة تتبع لـ”الدعم السريع”، استهدف مقر محكمة مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان.
يأتي هذا الهجوم في وقت تعاني فيه مناطق عدة في شمال كردفان الهجمات التي تشنها طائرات مسيّرة تابعة لقوات الجماعة تسببت بإحداث دمار هائل طاول البنى التحتية في الأبيّض عاصمة الولاية ومناطق أخرى، فضلاً عن إزهاق أرواح عشرات المواطنين.
ودانت “شبكة أطباء السودان” استهداف الأعيان والمرافق المدنية، وعدته “اعتداء لا يراعي مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية”، خصوصاً أن الاستهداف وقع في وقت الذروة الذي يشهد حركة كثيفة للمدنيين، مما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني والقواعد التي تحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية.
وطالبت الشبكة في بيان بـ”الوقف الفوري لاستهداف المدن والأحياء السكنية والأعيان والمرافق المدنية، وتجنيب المدنيين ويلات العمليات العسكرية”. وحثت على “الالتزام الصارم بالقانون الدولي الإنساني وضمان حماية المدنيين وعدم تعريض حياتهم للخطر”، ودعت المجتمع الدولي إلى الضغط على قيادات “الدعم السريع” وتحميلها المسؤولية الكاملة عن مجزرة “أم روابة”.

كذلك دانت مجموعة “محامو الطوارئ” في بيان هذا الهجوم الجوي، مؤكدة أن “استهداف المنشآت القضائية والمدنيين يمثل انتهاكاً خطراً للقانون الدولي الإنساني، ويقوض مؤسسات العدالة ويعرض حياة العاملين والموجودين فيها للخطر، كذلك يعيد المخاوف المتزايدة في شأن سلامة المدنيين والعاملين في المحاكم في مختلف أنحاء السودان”.

وطالبت المجموعة الحقوقية في بيان بالوقف الفوري للهجمات على المدنيين والمنشآت المدنية والقضائية، وإجراء تحقيق مستقل وشفاف في الهجوم، ومحاسبة المسؤولين عنه، وضمان حماية العاملين في قطاع العدالة والمتقاضين والمرافق القضائية.

وتصاعد استخدام الطائرات المسيرة في الهجمات على مناطق مأهولة ومواقع مدنية في إقليم كردفان خلال الأشهر الماضية، بينها أسواق ومرافق صحية ومناطق تجمع للمدنيين، وسط تحذيرات أممية من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين جراء هذا النمط من الهجمات.

وسبق أن أفادت “مجموعة الحماية” التابعة للأمم المتحدة بأن ولاية شمال كردفان سجلت أعلى عدد من هجمات المسيّرات في السودان خلال العام الحالي، بواقع 141 هجوماً في الأقل حتى الثامن من يوليو (تموز) الماضي، مشيرة إلى تأثير الهجمات في الخدمات الأساسية وحركة المدنيين والوصول إلى المياه والرعاية الصحية في مدينة الأبيّض ومحيطها.
وتخضع ولاية شمال كردفان لضغوط إنسانية متزايدة بسبب نزوح آلاف الأسر من مناطق النزاع في دارفور وكردفان، واعتمادها الكبير على الخدمات الأساسية المحدودة.

في سياق متصل، أكدت مصادر ميدانية أن الجيش قصف بالمدفعية الثقيلة مواقع عدة لـ”الدعم السريع” شمال مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان.

وأشارت المصادر ذاتها إلى أن “الجيش رصد على مدى يومين عمليات تجميع وحشد لقوات الجماعة باتجاه الشمال والشمال الشرقي لمدينة الدلنج، بغرض شن هجوم بشكل أو بآخر على المدينة”، مؤكدة أن “الجيش تعامل مع تلك التجمعات في خطوة استباقية أوقعت في صفوفهم خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد”.

وتعرضت الدلنج في الأيام الماضية لعمليات تبادل قصف بالمدفعية والمسيرات حولها بين “الدعم السريع” و”الحركة الشعبية- شمال” من جهة، والجيش السوداني من جهة أخرى.

عمليات استنزاف
في محور دارفور، شهد الإقليم تطورات ميدانية وإنسانية بالغة التعقيد، تخللتها مناورات وعمليات استنزاف عسكري وإعلان كارثة مجاعة في بعض مناطق الإقليم. وطبقاً لمصادر عسكرية، فإن عناصر الجيش و”القوات المشتركة”، نفذت تحركات ومناورات عسكرية لنقل المعارك إلى داخل إقليم دارفور بهدف إشغال “الدعم السريع”، ونفذت “القوات المشتركة” في الوقت ذاته عمليات ضد قوات الاستطلاع التابعة لقوات “الدعم السريع” في محور غرب دارفور، مما أدى إلى القضاء على عدد من عناصرها وتضييق منافذ إمدادها اللوجستية، في حين، تواصلت التحركات العسكرية وسط أنباء عن سعي الجيش إلى توسيع نطاق السيطرة واستعادة مدن رئيسة في الإقليم، في وقت تشهد فيه مناطق مثل جبل مون تدافعاً ميدانياً متبادلاً.

استهداف نيالا
إلى ذلك، شن طيران الجيش هجوماً على مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، التي يتخذها “تحالف تأسيس” الذي تتزعمه “الدعم السريع”، مقراً لحكومته الموازية.
وأفاد سكان في المدينة بسماع دوي انفجارين متتاليين نحو الساعة التاسعة صباحاً، أحدهما جنوبها والآخر شمالها، مشيرين إلى أن قوة الانفجارات هزت جدران منازلهم. وأضاف السكان أن أحد الانفجارين استهدف تجمعاً لـ”الدعم السريع” داخل مقر هيئة الجمارك شمال المدينة، من دون ورود تفاصيل في شأن حجم الخسائر أو الأضرار.

ويأتي القصف في ظل تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في الهجمات على نيالا، إذ أفادت تقارير محلية في أغسطس (آب) الماضي بشن غارات بمسيّرات على مواقع تابعة لـ”الدعم السريع” داخل المدينة، بينها محيط المطار ومواقع أخرى.

تفشي المجاعة
في موازاة ذلك، أعلنت السلطة المدنية في مناطق سيطرة حركة “جيش تحرير السودان” بقيادة عبدالواحد محمد نور، عن دخول مناطق جبل مرة وطويلة وعين سيرو ومخيمات النازحين مرحلة المجاعة، وسط ارتفاع الوفيات وحالات سوء التغذية بين الأطفال والنساء وكبار السن بسبب النقص الحاد في الغذاء والأدوية والرعاية الصحية.
وقالت السلطة المدنية، في بيان، إن الكارثة الإنسانية تهدد حياة الملايين الذين قالت إنهم يعيشون أوضاعاً حياتية وصحية قاسية في مخيمات النزوح والمناطق الخاضعة لسيطرة الحركة، عازية التدهور إلى عرقلة وصول قوافل الإغاثة والمساعدات الإنسانية، فضلاً عن فشل الموسم الزراعي بسبب قلة الأمطار، وانتشار الأوبئة وتلوث مياه الشرب وتفشي الأمراض، في ظل نقص المستلزمات الطبية وغياب المستشفيات الميدانية.
ولفتت السلطة إلى أن هذه العوامل أدت إلى ارتفاع معدلات الوفيات داخل مخيمات النزوح، التي تراوح ما بين 10 و20 حالة، مطالبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذ قرار عاجل يضمن إيصال المساعدات الغذائية والطبية إلى المناطق المتضررة من دون عوائق إدارية أو سياسية، وفتح وتأمين الممرات والمعابر الإنسانية.
وشهدت مناطق سيطرة الحركة تدفق عشرات آلاف النازحين القادمين من شمال دارفور، على خلفية هجمات “الدعم السريع” على مدينة الفاشر ومحيطها، مما زاد من تعقيد الوضع الإنساني.
ويأتي هذا الإعلان بعد تحذيرات متكررة من الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية في شأن اتساع رقعة المجاعة في السودان، لا سيما بإقليم دارفور الذي يواجه إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث.

انهيار صحي
صحياً، أفادت منظمة “أطباء بلا حدود” بأن النظام الصحي في السودان أصبح على شفا الانهيار، مع اضطرار العيادات ومراكز الرعاية الصحية الخارجية إلى الإغلاق في أنحاء البلاد التي تمزقها الحرب، بسبب خفوضات تمويل المساعدات.
وطالبت المنظمة قادة العالم المشاركين في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بتأمين التمويل اللازم لتوفير الرعاية الصحية الأساسية، مشيرة إلى أن خطة الأمم المتحدة الإنسانية للسودان، البالغة قيمتها 2.87 مليار دولار، لم تحصل سوى على 41 في المئة من التمويل المطلوب.

وأشار منسق المنظمة في السودان، محمد إبراهيم، إلى أن الحرب تؤدي إلى زيادة الاحتياجات الإنسانية في البلاد، في الوقت الذي تحد فيه خفوضات التمويل من حجم المساعدات التي يمكن تقديمها.

وأوضح إبراهيم أن أنشطة المنظمة تعتمد على التمويل الخاص، لكنه حذر من أن توقف تمويل الخدمات الصحية الأخرى يؤدي إلى إغلاق العيادات، مما يحرم المرضى من أماكن إضافية لتلقي الرعاية الصحية، ويزيد الضغط على المرافق الصحية التي لا تزال تعمل، ومنها منشآت تديرها المنظمة.
وتسبب الصراع المندلع بين الجيش وقوات “الدعم السريع” لأكثر من 40 شهراً في حدوث أكبر أزمة إنسانية في العالم، وفقاً للأمم المتحدة، إذ نزح أكثر من 11 مليون شخص داخل السودان أو فروا إلى الدول المجاورة.

Exit mobile version