غلاء النقل وضغوط حرب السودان.. لماذا لا تشعر أسواق أم درمان بتراجع التضخم؟

يقف شريف محمد الحسن، صاحب محل لبيع مواد البناء بمدينة أم درمان في العاصمة السودانية، أمام بضاعته وهو يواجه معادلة باتت أكثر تعقيدا من مجرد تحديد هامش للربح.

فمع كل تحرك في سعر صرف الجنيه السوداني أمام الدولار -يقول شريف في حديثه للجزيرة نت إنه- يجد نفسه مضطرا إلى إعادة حساب تكلفة ما يبيع، خشية أن يبيع بضاعته اليوم ثم يعجز غدا عن شراء الكمية نفسها بالسعر الجديد.

تطوّرات بشأن إضراب التجار بسوق عطبرة

الخرطوم تعيد تشغيل أسواق البيع المخفض لتخفيف أعباء المعيشة

فبالنسبة إلى شريف، لم يعد ارتفاع سعر الدولار مشكلة تخص تكلفة السلع المستوردة وحدها، لكنه أصبح عاملا يحدد قدرته على الاستمرار في تجارته.

ويبرز قطاع مواد البناء بين الأنشطة الأكثر حساسية لتغيرات تكلفة المدخلات (وسائل الإنتاج)، في ظل ارتباط جزء من مواده بالسوق الخارجية، وتداخل تكاليف النقل والطاقة في تحديد أسعارها.

ومع تراجع قيمة الجنيه، يجد العاملون في قطاع البناء أنفسهم أمام ارتفاع في تكلفة الحصول على البضاعة، بينما تحد قدرة المستهلكين على الشراء من إمكانية تمرير الزيادة كاملة إلى أسعار البيع للمستهلكين.

إعادة التسعير

وتعكس تجربة شريف جانبا من الارتباك الذي تشهده الأسواق السودانية مع التذبذب الحاد في سعر الصرف، إذ بات التجار يواجهون صعوبة في تحديد أسعار مستقرة لبضائعهم، بينما تتسع الفجوة بين تكلفة الشراء وقدرة المستهلك على الدفع.

ولا يتوقف أثر تقلبات العملة السودانية عند أبواب المتاجر، فارتفاع تكلفة إعادة شراء السلع يدفع التجار إلى إعادة التسعير. بينما يجد المستهلك نفسه أمام أسعار تتغير بوتيرة أسرع من دخله، تشهد بعض الأسواق في الأيام الماضية زيادات تراوحت بين 40% و60% في أسعار السلع الأساسية.

وتتراوح أسعار الدولار في تعاملات البنوك السودانية بين 3700 و4200 جنيه للدولار الواحد، وفقا لأسعار الصرف المعلنة الاثنين الماضي، في وقت تجاوز فيه سعر العملة الأمريكية 7 آلاف جنيه في السوق الموازية، ما يعكس اتساع الفجوة الهائلة بين السعرين الرسمي والموازي.

ارتفاع تكاليف النقل

وسرعان ما انعكس اضطراب سوق الصرف على أسعار السلع والخدمات، ولا سيما المنتجات المستوردة من بينها الأدوية والمواد الغذائية، في ظل اعتماد الاقتصاد السوداني بدرجة كبيرة على الواردات.
إعلان

كما ساهم ارتفاع أسعار الوقود والنقل واضطراب طرق التجارة في رفع تكلفة نقل البضائع إلى الأسواق والمحال التجارية.

وداخل أحد محلات المواد الغذائية بأم درمان، يقول التاجر أبو القاسم الأمين إن سعر جوال (كيس) السكر زنة 50 كيلوغراما ارتفع من 215 ألف جنيه (نحو 31 دولارا) إلى 225 ألفا (نحو 32 دولارا) خلال يومين، في حين بلغ سعر الجوال زنة 10 كيلوغرامات 48 ألف جنيه (نحو 7 دولارات).

ويشير أبو القاسم إلى أن الزيادة لا تقتصر على السكر، إذ تشهد أسعار عدد من السلع الغذائية، ومن بينها الدقيق والزيت والمعلبات بأنواعها ارتفاعا متدرجا مع تغير أسعار الشراء من الموردين، الأمر الذي يضطر التجار إلى تعديل أسعار البيع للحفاظ على هامش بسيط يمكنهم من مواصلة العمل.

ويضيف التاجر في حديثه للجزيرة نت أن استمرار ارتفاع تكاليف النقل والترحيل يزيد من أعباء التجار، خصوصا مع تغير الأسعار بين فترة وأخرى، ما يجعل عملية التسعير صعبة ويضع المستهلك أمام أسعار مختلفة للسلعة نفسها خلال فترات قصيرة.
مجرد أرقام

وبينما يواجه التجار ارتفاع تكلفة شراء السلع، يجد المواطنون أنفسهم أمام أسعار تتجاوز قدرتهم الشرائية.

ويقول عبد الله سالم وهو سائق أجرة يعول 5 أطفال ووالدتهم، إن قيمة النقود تراجعت بصورة كبيرة، وأصبحت في نظره مجرد أرقام لا تكفي لشراء الاحتياجات التي كان يستطيع توفيرها في السابق.

ويضيف سالم في حديثه للجزيرة نت أن عدم توفر السيولة النقدية، والاعتماد المتزايد على التطبيقات البنكية التي تعمل بصورة متقطعة، زادا من صعوبة الحياة اليومية. إذ أصبحت هذه التطبيقات على حد قوله عبئا إضافيا بدلا من أن تكون وسيلة لتسهيل الحصول على المال وشراء الاحتياجات.

وسيلة للحفاظ على المال

وبحسب خبراء الاقتصاد لا يحدث ارتفاع الدولار بمعزل عن أوضاع الاقتصاد السوداني، التي تأثرت بالحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتراجع النشاط الإنتاجي والتجاري.

ويرى أستاذ الاقتصاد السوداني خضر علي أن ارتفاع سعر الدولار يرتبط بجملة من العوامل، من بينها تراجع موارد النقد الأجنبي، إلى جانب زيادة الطلب على العملات الأجنبية، في ظل حاجة السوق إلى تمويل الواردات.

ويشير المتحدث نفسه في حديثه للجزيرة نت إلى أن استمرار هذه العوامل يضغط على قيمة الجنيه، ويدفع المتعاملين إلى البحث عن الدولار كوسيلة للحفاظ على قيمة أموالهم، الأمر الذي ينعكس بدوره على سعر الصرف في السوق.

ويحذر الاقتصادي السوداني من أن استمرار تراجع الجنيه لا يقف أثره عند سوق العملات، لكنه أيضا ينتقل سريعا إلى أسعار السلع والخدمات، خصوصا السلع المستوردة أو التي تدخل في إنتاجها وتوزيعها تكاليف مرتبطة بالنقد الأجنبي.

ويقول إن ارتفاع الأسعار يضعف القوة الشرائية للمواطنين، بينما يواجه التجار صعوبة في تثبيت أسعار السلع، مع تغير تكلفة الشراء والترحيل، بما يزيد الضغوط المعيشية على الأسر السودانية.

تراجع معدلات التضخم

وكان الجهاز المركزي للإحصاء في السودان قد أعلن عن تراجع معدل التضخم السنوي إلى 41.61% في يوليو/تموز الماضي، مقارنة بـ51.28% في يونيو/حزيران، وفق بيانات تعتمد على سلة تضم 663 سلعة وخدمة تمثل أنماط استهلاك الأسر في المناطق الحضرية والريفية.

وبلغ التضخم في المدن 45.24%، مقابل 39.85% في الريف، فيما تستحوذ مجموعة الأغذية والمشروبات على 52.89% من إنفاق السودانيين، تليها مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 14.17%، والنقل بنسبة 8.34%.

ورغم انخفاض معدل التضخم السنوي، أظهرت البيانات استمرار ارتفاع الأسعار، إذ زاد الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك بنسبة 1.47% على أساس شهري خلال يوليو/تموز الماضي.

ويأتي ذلك وسط استمرار تداعيات الحرب على النشاط الاقتصادي، من تراجع الإنتاج والتجارة واضطراب سلاسل الإمداد إلى تقلص مصادر الدخل والقدرة الشرائية للأسر، ما يجعل انخفاض معدل التضخم لا يعني بالضرورة تراجع الأسعار، أو تحسن القدرة الشرائية للمواطنين.

Exit mobile version