غارات جوية للجيش بدارفور وكردفان ومواجهات طاحنة في النيل الأزرق

شهدت محاور القتال المختلفة في السودان أمس السبت، تصعيداً متسارعاً في العمليات العسكرية ومواجهات طاحنة في إقليم النيل الأزرق، تزامناً مع استمرار التوترات في إقليمي كردفان ودارفور اللذين يشهدان تحركات واستعدادات ميدانية مكثفة.

وبحسب مصادر عسكرية، فإن الجيش و”الدعم السريع” خاضا معركة شرسة بالقرب من منطقة جبل كدم الواقعة في المحور الشرقي لمحافظة الكرمك، بالقرب من الحدود السودانية، مشيرة إلى أن الأخيرة هاجمت مواقع للجيش في هذه المنطقة، قبل أن يتمكن من صد الهجوم وتكبيد القوة المهاجمة خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات.

من الذى قاد مخطط تفكيك الجيش السودانى ؟!…وماهو موقف الدولة من القوات (المشتركة) …

الجيش السوداني يتصدى لمسيرات استهدفت أم درمان والخرطوم

ونوهت المصادر ذاتها بأن تدخل المسيرات التابعة للجيش في عملية القتال أدى إلى تشتيت القوات المعادية.

وقال محافظ الكرمك عبدالعاطي الفكي إن “قوات الجيش والقوات المساندة له نفذت عملية نوعية في منطقة جبل كدم”، موضحاً أن “العملية أسفرت عن تدمير مركبات قتالية ومعدات حربية، وأن من تبقى من عناصر قوات الدعم السريع ولّت هاربة إلى الأراضي الإثيوبية عقب تكبدها خسائر فادحة”.

وأكدت الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش أن قواتها استهدفت القوات المهاجمة في جبل كدم، وأن العملية أسفرت عن الاستيلاء على 17 مركبة قتالية وتدمير خمس مركبات أخرى، إلى جانب إلحاق خسائر بشرية بالقوات المهاجمة.

وأشارت الفرقة في بيان لها إلى أن قوات الجيش تمكنت من كسر الهجوم وفرض سيطرتها التامة على الأرض، معتبرة أن العملية أظهرت الجاهزية القتالية للقوات المسلحة وقدرتها على حسم الموقف.

وأظهرت مقاطع فيديو لأفراد من الجيش داخل منطقة جبل كدم يتوعدون “الدعم السريع” بهزائم متلاحقة وحاسمة في غضون الأيام المقبلة بإقليم النيل الأزرق.

وكانت قوات “الدعم السريع” والحركة الشعبية قد سعتا، وفق المصادر، إلى السيطرة على جبل كدم بعد إرسال تعزيزات باتجاه المنطقة من جهة الحدود الإثيوبية.

ودفع الجيش في نهاية أغسطس (آب) الماضي بتعزيزات عسكرية إلى مناطق القتال في إقليم النيل الأزرق، شملت محيط مدينتي الكرمك وقيسان اللتين تسيطر عليهما قوات “الدعم السريع”.

وتأتي هذه العملية ضمن خطة الجيش للتقدم نحو الكرمك وقيسان، حيث زار قائد الجيش عبدالفتاح البرهان مدينة الدمازين في نهاية أغسطس الماضي، ووقف على الترتيبات الجارية للعمليات الحربية.

ويقع جبل كدم بين محليتي باو وقيسان التاريخيتين في إقليم النيل الأزرق، ويُنظر إلى موقعه باعتباره نقطة متقدمة ذات أهمية في حماية محاور الجيش.

وتوجه الحكومة السودانية أصابع الاتهام نحو إثيوبيا بتسهيل وتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات “الدعم السريع” في ولاية النيل الأزرق الحدودية. في حين أفاد تقرير صادر عن وحدة أبحاث في جامعة ييل الأميركية بأن قاعدة عسكرية إثيوبية قرب الحدود مع السودان تقدم دعماً لقوات “الدعم السريع”، استناداً إلى تحليل صور التقطتها الأقمار الاصطناعية خلال الفترة من ديسمبر (كانون الأول) 2025 إلى مارس (آذار) 2026.

غارات عنيفة
في سياق متصل، نفذ سلاح الجو التابع للجيش أمس السبت، سلسلة غارات جوية عنيفة ومكثفة، استهدفت مواقع وتجمعات حيوية تابعة لقوات “الدعم السريع” في ولايتي غرب دارفور وشمال كردفان.

ووفقاً لمصادر عسكرية، فإن الضربات الجوية في جبهة غرب دارفور ركّزت بدقة على مقار قيادية وتجمعات القوات المتمردة في محلية كلبس والمناطق المحيطة بها، حيث أسفرت عن تدمير عدد من الآليات العسكرية، ووقوع خسائر مادية وبشرية فادحة في صفوف تلك القوات. موضحة أن هذه العمليات تهدف إلى إضعاف قدرة قوات “الدعم السريع” على المناورة وإعاقة تمركزاتها المستمرة في المنطقة.

وأشارت المصادر نفسها إلى أن عملية الاستهداف الجوي امتدت إلى ولاية شمال كردفان؛ حيث استهدف الطيران الحربي تجمعات وتحركات قوات الجماعة في كل من محلية سودري، والمزروب، ومناطق واسعة في غرب مدينة بارا. مؤكدة أن الغارات تمكنت من تدمير مخازن الإمداد، والمركبات القتالية، والشاحنات التابعة للميليشيات، فضلاً عن تعرض أعداد من أفرادها لإصابات مباشرة شلت تحركات القوات المعادية في تلك المناطق، كما أسفرت الضربات الجوية عن تصاعد كثيف لأعمدة الدخان واستهداف القوات المتحركة والمنسحبة منها.

وتأتي هذه العمليات العسكرية المنسقة ضمن استراتيجية قطع خطوط الإمداد وتفكيك التحشيدات الميدانية.

جوع ونزوح
يشهد إقليم دارفور أوضاعاً إنسانية وميدانية بالغة التعقيد، تتسم بتفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي والنزوح، إذ تواردت تحذيرات دولية ومحلية شديدة اللهجة من خطر تفشي مجاعة حادة في مناطق واسعة من الإقليم، لا سيما في شمال غربي ولاية شمال دارفور ومناطق مثل أم برو، كرنوي، والطينة.

ويعاني الإقليم شحاً وانقطاعاً حاداً في الأمطار لنحو ثلاثة أسابيع، مما أدى إلى جفاف وتضرر مساحات واسعة من محاصيل الدخن والفول، وتهديد الموسم الزراعي والأمن الغذائي بكارثة اقتصادية ومعيشية واسعة في مناطق مثل السريف، وكتم، ويكيبيا.

وسجلت المنسقية العامة للنازحين واللاجئين تدفقات جديدة لعشرات العائلات النازحة نحو معسكر طويلة بولاية شمال دارفور هرباً من أوضاع مزرية ونقص حاد في الغذاء والدواء والمياه.

وأشارت المنسقية إلى وصول 193 عائلة نازحة جديدة إلى مخيم طويلة خلال الفترة من 2 إلى 11 سبتمبر (أيلول) الجاري، قادمة من مناطق متفرقة في كردفان ودارفور.

وقالت المنسقية في بيان إن العائلات الوافدة انضمت إلى آلاف الأسر الموجودة بالمخيم، في ظل تفاقم الأزمة الإنسانية وشح المساعدات الأساسية. لافتة إلى أن النازحين الجدد يفتقرون إلى الغذاء والدواء والمياه النظيفة، ويعيشون في ظروف صعبة.

الجيش يواصل تقدمه في شمال كردفان ويتصدى لغارات بالنيل الأزرق
وبينت أن المخيم يعاني نقصاً حاداً في المأوى والخدمات الصحية، ما يزيد من الأخطار على الأطفال والنساء الحوامل، محذرة من تداعيات غياب الدعم النفسي على المتضررين من الحرب والنزوح.

وطالبت المنسقية المنظمات الإنسانية ووكالات الأمم المتحدة بالتدخل العاجل لتوفير الغذاء والدواء والمياه النظيفة ومواد الإيواء والدعم النفسي للأسر الجديدة.

ويستضيف مخيم طويلة عشرات الآلاف من النازحين منذ عام 2003. وتشهد دارفور وكردفان موجات نزوح متزايدة منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات “الدعم السريع” في أبريل (نيسان) 2023، التي أدت إلى نزوح أكثر من 11 مليون شخص داخل السودان وخارجه، وفق الأمم المتحدة.

وتواجه الاستجابة الإنسانية في السودان عجزاً في التمويل تجاوز 65 في المئة هذا العام، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

البرهان يلتقي كراودر
إلى ذلك، أجرى رئيس مجلس السيادة، قائد الجيش عبدالفتاح البرهان أمس السبت، مباحثات مع المبعوث البريطاني الخاص إلى السودان ريتشارد كراودر.

ونقل مجلس السيادة، في بيان، عن كراودر، قوله إن “الأولوية يجب أن تكون لإيقاف الحرب وضمان سلامة الأرواح وإنهاء المعاناة الإنسانية، عبر حوار يقوده السودانيون ويمتلكونه، من خلال عملية سياسية شاملة وشفافة تمثل رؤية السودانيين في الداخل والخارج”.

ورحب المبعوث البريطاني بمبادرات أصحاب المصلحة الحقيقيين، وأشاد بالضمانات التي طرحتها حكومة السودان بشأن الذين يمكن أن يشاركوا في الحوار. فيما أشار إلى أن تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة رسم صورة قاتمة لانتهاكات القانون الدولي والإنساني، إضافة إلى التدخل الخارجي في الأزمة عبر تجنيد المرتزقة الأجانب، وفقاً للبيان.

وطرحت بريطانيا مشروع قرار لتمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق التي ينتهي تفويضها في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، فيما ترفض الحكومة السودانية هذا التمديد بذريعة وجود آليات أخرى للأمم المتحدة معنية بحقوق الإنسان في البلاد.

وبين كراودر أن الدمار الممنهج الذي طال عديداً من المرافق الحيوية والخدمية بسبب الحرب، إضافة إلى نزوح آلاف المدنيين إلى دول الجوار، أسهما في تفاقم الأزمة الإنسانية التي تمثل أسوأ كارثة إنسانية في العالم.

جهود إنهاء الحرب
في المقابل، ناقشت قيادات في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، سبل وقف الحرب والدفع نحو عملية سياسية ذات صدقية.

وأفاد التحالف، في بيان، أن اللقاء الذي عقد في القاهرة بحث تطورات الأوضاع في السودان والجهود المبذولة لإنهاء الحرب، حيث قدم هافيستو إحاطة حول نتائج زيارة الآلية الخماسية إلى الخرطوم، قبل أن يناقش الطرفان فرص الدفع باتجاه مسار سياسي يحظى بالقبول والصدقية.

وثمن التحالف الجهود التي تبذلها الآلية الخماسية لإنهاء الحرب مؤكداً استعداده لمواصلة الانخراط الإيجابي، وجدد تحفظاته على بعض جوانب أدائها وطريقة إدارة مشاوراتها مع القوى السودانية. وأكد ضرورة أن يظل دور الآلية الخماسية في إطار تيسير العملية السياسية، وألا يتجاوز ذلك إلى فرض تصورات أو خيارات بشأن مستقبل العملية، مبيناً أن تحديد شكل المسار السياسي ينبغي أن يتم بالتشاور والتوافق مع القوى المدنية السودانية.

ونوه إلى أن ذلك من شأنه ضمان ملكية السودانيين للعملية السياسية، إلى جانب وضع معايير واضحة ومتفق عليها للمشاركة.

وأكد التحالف تأييده حواراً وطنياً شاملاً وحقيقياً، قائلاً إن “الحوار الذي يجري بالتزامن مع استمرار الحرب والانقسام، وفي ظل بيئة سياسية يفرضها أحد طرفي النزاع، لا يمكن أن يعبر عن عملية وطنية جامعة”.

وحث التحالف على إطلاق عملية متكاملة ترتكز على ثلاثة مسارات متزامنة تشمل المسار الإنساني، ووقف إطلاق النار، والمسار السياسي، معتبراً أن ترابط هذه المسارات يمثل مدخلاً لمعالجة جذور الأزمة وتهيئة الطريق أمام سلام مستدام وتحول مدني ديمقراطي.

وقاطع التحالف الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك المشاورات التمهيدية التي ابتدرتها الحكومة السودانية لإدارة حوار سوداني داخلي يضمن التوصل إلى تسوية سياسية.

زيادة الدولار الجمركي
اقتصادياً، فرضت الحكومة السودانية زيادة جديدة في سعر الدولار الجمركي بنسبة تسعة في المئة، ليرتفع من 3960 إلى 4346 جنيهاً، في رابع زيادة من نوعها منذ بداية العام الجاري.

وجاءت هذه الزيادة تزامناً مع ارتفاع أسعار العملات الأجنبية في السوق الموازية مقابل الجنيه السوداني.

وتم رفع سعر الدولار الجمركي إلى 3222.8 جنيه في أبريل (نيسان)، ثم إلى 3395 جنيهاً في مايو (أيار)، وإلى 3517 جنيهاً في يونيو (حزيران)، قبل أن يصل إلى 4346 جنيهاً في سبتمبر (أيلول) الجاري.

ويستخدم الدولار الجمركي لحساب قيمة الرسوم على الواردات من خارج السودان، على أن تُسدد قيمتها بالجنيه ويحدد سعره بقرار حكومي ولا يرتبط مباشرة بأسعار الصرف العالمية.

ومن المنتظر أن تنعكس الزيادة الجديدة على أسعار عدد من السلع المستوردة، لا سيما المواد الغذائية وقطع الغيار والأدوية، مما قد يزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين.

ويواجه السودان أزمة اقتصادية متفاقمة منذ اندلاع الحرب، تسببت في انهيار كبير للجنيه وارتفاع معدلات التضخم.

وتعتمد حكومة الخرطوم على تعديل سعر الدولار الجمركي بصورة دورية لمواكبة الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، بهدف زيادة الإيرادات الحكومية وتقليل خسائر الموازنة.

ويبلغ سعر الدولار في السوق الموازية حالياً أكثر من 6500 جنيه، بحسب متعاملين، في حين يبلغ السعر الرسمي في البنك المركزي نحو 3700 جنيه.

Exit mobile version