من دمار البنية التحتية للطيران، من طائرات و مطارات و أجهزة ملاحة، إلى هجرة الكوادر الوطنية، تبرز حقيقة يجب التوقف عندها بجدية، و هي ضرورة إعادة تأهيل و تقييم الكوادر الوطنية البشرية في مجال النقل الجوي وصناعة الطيران عامة.
و بعد هذه الحرب المدمرة، ينبغي أن يخضع العاملون في قطاع الطيران إلى عمليات تقييم و تأهيل تضاهي المعايير الإقليمية و الدولية، سواء للطيارين أو المهندسين أو أطقم الضيافة الجوية أو العاملين في العمليات الأرضية، إضافة إلى جميع العاملين في قطاع الملاحة الجوية، و ما يقع عليهم من مسؤوليات لا تقل أهمية عن مسؤوليات الأطقم الجوية من الطيارين.
كذلك، هناك قطاع أمن الطيران، الذي يجب أن يحظى بصورة مستمرة بالتأهيل و التدريب على أحدث التقنيات المتقدمة لتأمين المنافذ، دخولاً و خروجاً، بالمطارات.
كما نحتاج إلى رؤية واستراتيجية واضحة لاستمرارية تأهيل وتدريب الكوادر الوطنية من مفتشي سلطة الطيران المدني بصورة سنوية، لمواكبة التطورات والمستجدات في مختلف الأنظمة و المنظمات، مثل EASA و ICAO وFAA وIATA، و ذلك عبر السمنارات والدورات التدريبية التي تصقل الخبرات و تواكب المستجدات في صناعة الطيران.
تعليق رحلات بدر للطيران إلى جيزان
و هذا إضافة إلى ضرورة إعادة تأهيل العاملين في مجال الأرصاد الجوية، و مدهم بالأجهزة الحديثة التي تمكنهم من أداء مهامهم وفق المعايير المطلوبة.
و يحاصرني بشدة سؤال : لماذا تتعامل الدولة السودانية، منذ الاستقلال، بفوقية وعدم تقدير أو اهتمام كافٍ بصناعة النقل الجوي عامة، وبكوادرها البشرية خاصة؟
عندما نجد العكس تماماً في دول الخليج و أوروبا و أمريكا و الشرق الأقصى و أفريقيا، حيث تحظى الكوادر السودانية في قطاع الطيران بكل التقدير و الاحترام و الإشادة بكفاءتها.
و الحقيقة أن البيئة في السودان، في مجال النقل الجوي، طاردة جداً، سواء من حيث استمرارية التأهيل و التدريب أو من حيث التقييم المادي والمعنوي للكوادر.
و في هذه السانحة أذكر واقعتين.
في العام 1993، قمت بإرسال إعلان في الصحف اليومية لطلب تعيين طيارين لطائرات فوكرز 27، على أن يتم، في حال عدم وجود كوادر سودانية، استقدام طيارين أجانب، حسب توجيهات سلطات مكتب العمل آنذاك.
و كان الراتب المعروض 1500 دولار للطيار و بالفعل تقدم عدد من الإخوة الطيارين السودانيين للعمل، فإذا بوزير النقل وقتها يتصل و يندد بالإعلان، و يطلب إلغاءه، بل و يطالب بتخفيض الراتب ليضاهي الرواتب المحلية في ذلك الوقت.
بـ 4 رحلات أسبوعياً .. بدر للطيران تعزز رحلاتها من الرياض إلى دنقلا
رفضت طلب السيد الوزير، و بالفعل تم تعيين طيارين و كوادر وطنية، و قمنا بإرسالهم إلى هولندا للتدريب التشبيهي.
و عندما تم ترفيع بعضهم من مساعدين لكباتن إلى طيارين، حسب رؤية مركز التدريب بشركة فوكرز، قامت الدنيا و لم تقعد في السودان.
و الحقيقة أنهم كانوا من أكفأ الشباب، و لم تكن أعمارهم تتجاوز 35 عاماً.
و تكرر المشهد عندما قمنا، في العام 2003، بتقييم رواتب طياري طائرات بوينغ 737 وفقاً لما كان معمولاً به إقليمياً، وكان الراتب في حدود 3 آلاف دولار.
و الشاهد أننا الآن في العام 2026، و بعد هذه الحرب و ما مرت به كوادر الطيران عامة من مآسٍ و حوادث و ظروف قاسية، يجب أن تتم إعادة تقييم شاملة للكوادر صحياً و فنياً، و من ثم تقييمها مادياً و معنوياً.
فكيف نضع هذه المسؤوليات الجسام على بشر تحاصرهم كل ضغوط الحياة القاهرة، ويكافحون من أجل إعالة أسرهم بالكفاف، من ملبس و مشرب وعلاج ومدارس وسكن، في ظل جشع وغلاء في الأسعار ضربا كل أركان البلاد؟
كيف يستوي أن نطالب هؤلاء بمكافحة الفساد وسد المنافذ ومنع التهريب، بينما يعيش العاملون في بعض هذه القطاعات تحت مستوى الفقر، دون تقدير أو تقييم يتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم؟
و في الوقت نفسه، نجد أن التعيينات والمحاصصات و توزيع الحوافز و الرواتب المجزية يجري على قدم وساق.
علماً بأن موارد صناعة الطيران، من المطارات و رسوم العبور و الهبوط و الخدمات و أمن الطيران، كبيرة جداً، و تعتبر رافداً مهماً للاقتصاد و الدولة.
و نأمل أن يعود اليسير من هذه الموارد إلى العاملين في هذه الصناعة، تقديراً لدورهم، و تحفيزاً لهم، و حفاظاً على الكفاءات الوطنية التي أصبحت هجرتها واحدة من أكبر التحديات التي تواجه مستقبل صناعة الطيران السودانية.
فالطيران ليس طائرات و مطارات و أجهزة و ممرات فقط، و إنما قبل كل ذلك إنسان مؤهل و مدرب و محفز، يحمل مسؤولية سلامة الأرواح و صون سمعة الدولة و مواردها.
و إذا أردنا إعادة بناء صناعة الطيران السودانية بعد الحرب، فعلينا ألا نبدأ من الحديد و الإسمنت فقط، بل من الإنسان أولاً.
طيران بلدنا
