عادل المفتي يكتب : السودان يعود إلى مقعده .. و المليشيا تفقد نفوذها و تخسر دولاراتها

كانوا يريدون للسودان أن يصبح دولةً على الهامش، و للمليشيا أن تصبح دولةً بالوكالة.
لكن الخرطوم عادت إلى مقعدها، بينما بدأ المقعد الذي حاولت المليشيا احتلاله يهتز تحت أقدامها.

عودة السودان إلى المشاركة الكاملة في منظمة إيغاد ليست تفصيلاً دبلوماسياً، و لا صورةً بروتوكولية لوزير يجلس في قاعة اجتماع.
إنها صفعة سياسية لكل من راهن على أن الحرب ستُسقط الدولة السودانية، و أن المال و السلاح و العلاقات الخارجية تستطيع أن تمنح مليشيا مسلحة شرعية دولة.
إيغاد نفسها رحبت رسمياً بعودة السودان إلى المشاركة الكاملة بعد تعليقها منذ يناير 2024 احتجاجاً على مسار المنظمة و تعاملها مع قائد الدعم السريع.

السودان عاد إلى الطاولة… لأن الدولة لم تسقط.

عاد السودان امس الاثنين ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦م إلي طاولة اجتماع وزراء خارجية منظمة إيقاد جاءت هذه المشاركة المهمة فور إعلان استرداد السودان لعضويته الكاملة في المنظمة و إسترداد نشاطه رسميا بعد تجميد دام نحو عامين .

و هذه هي الحقيقة التي حاول البعض دفنها تحت ركام الحرب.

«إيغاد» ليست تجمعاً هامشياً؛ إنها منظمة حكومية إقليمية تتحرك في ملفات الأمن والسلام و النزاعات و الهجرة و اللاجئين و الأمن الغذائي و التنمية في القرن الأفريقي.
و غياب السودان عنها كان يعني أن تُناقش قضايا تمس أمنه و حدوده ومستقبله من دون أن يكون السودان حاضراً.

أما اليوم، فقد عاد السودان، وعادت إيغاد إلى الخرطوم أيضاً بإعادة فتح بعثتها هناك في يوليو 2026.

و هنا يتضح الفرق بين الدولة و المليشيا.

الدولة قد تتراجع خطوة احتجاجاً، لكنها تستطيع أن تعود إلى مقعدها. أما المليشيا فقد تستطيع شراء الولاءات بالمال، لكنها لا تستطيع شراء الشرعية إلى الأبد.

مالك عقار : وحدة السودان خط أحمر .. و لا بديل للجيش الواحد
في بدايات الحرب، راهن كثيرون على انتصار مليشيا الدعم السريع، و فتحوا لها الأبواب، و استقبلوا قياداتها، و تعاملوا معها باعتبارهم أمراً واقعاً يمكن الاستثمار فيه. كانت الأموال و الذهب و شبكات المصالح تغري البعض أكثر من مستقبل السودان نفسه.

كان السودان يُنهب… وكان البعض يبيع للسودانيين وهماً اسمه «النفوذ الإقليمي».

لكن النفوذ الذي يُبنى على الذهب المنهوب والسلاح والوعود والأراضي لا يصمد أمام امتحان الزمن.

المليشيا اكتشفت متأخرة أن المال يستطيع شراء رحلة إلى عاصمة، لكنه لا يستطيع شراء وطن.

و الأخطر أن صورتها الدولية نفسها تتآكل. ففي يوليو 2026 صوّت البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة لصالح قرار يدعو الاتحاد الأوروبي إلى إدراج قوات الدعم السريع على قائمة المنظمات الإرهابية، ويدعو إلى محاسبة المسؤولين عن الهجمات على المدنيين.

لم يعد السؤال كما كان في بداية الحرب: كيف نتعامل مع مليشيا الدعم السريع؟

بل بدأ يتحول إلى سؤال أكثر قسوة:

ما تكلفة التعامل مع مليشيا متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين؟

و هنا تتهاوى أهم أوراق المشروع المليشياوي: الشرعية الخارجية.

لقد حاولت مليشيا الدعم السريع أن تقدم نفسها كطرف سياسي، ك ممول وشريك لتحالف تقدم ، ثم تأسيس ، بينما كان السلاح يقول شيئاً آخر، والضحايا يقولون شيئاً آخر، وتقارير المجتمع الدولي تقول شيئاً آخر.

أما السودان، فعليه الآن ألا يكتفي بالاحتفال بالعودة إلى إيغاد.

العودة ليست نهاية المعركة؛ إنها بداية استعادة الدور.

على الخرطوم أن تدخل إيغاد بعقل الدولة لا بعقل الأزمة: أمن البحر الأحمر، الحدود، التجارة، مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، اللاجئون، الأمن الغذائي، الزراعة، الطاقة، والموانئ.

السودان ليس دولة فقيرة تنتظر من يمنحها دوراً.

السودان دولة تملك موقعاً استراتيجياً، وموانئ، وأراضي زراعية، وثروة حيوانية، وموارد طبيعية، وسوقاً ضخماً، وموقعاً يجعل استقراره مصلحة إقليمية لا منّة من أحد.

ولهذا يجب أن تكون الرسالة واضحة:

لن تكون موارد السودان بعد اليوم فاتورةً لشراء ولاءات الآخرين، ولن يكون ذهب السودان خزينةً مفتوحة لتمويل الحرب، وشراء انتخابات دول الجوار ، ولن تكون أرض السودان سلعةً تُمنح لمن يملك المال أو السلاح.

لقد راهنوا على أن تنتصر المليشيا فتتراجع الدولة.

فلم تنتصر المليشيا، ولم تتراجع الدولة.

وراهنوا على أن يُعزل السودان عن محيطه.

فعاد السودان إلى محيطه وإيغاد.

وراهنوا على أن يختفي اسم السودان خلف اسم المليشيا وأمير المليشيا .

فانكشف اسم المليشيا، وسقط الأمير المزعوم وبقي اسم السودان.

هذه ليست مجرد عودة إلى مقعد.

إنها عودة السودان إلى موقعه الطبيعي: دولةً تتحدث باسم نفسها، وتدافع عن مصالحها، وتصنع علاقاتها، ولا تسمح بعد اليوم بأن يتحدث أحد بالنيابة عنها.

أما المليشيا، فعليها أن تدرك أن زمن تقديم السلاح باعتباره مشروع دولة قد انتهى.

الدول تبقى… والمليشيات تنحسر.

والتاريخ لا يمنح الشرعية لمن يملك أكثر من الذهب، ويختفي خلف الغريب ، بل لمن يقف مع القريب ويملك حق البقاء في وطنه.

السودان عاد إلى مقعده… ومن حاول أن يجلس مكانه فقد المقعد والغطاء والشرعية معاً .

مهما اجتهدتم واجتهد معكم الآخرون لا تضيعوا زمنكم والآخرين :

الأصل ما ببقي صورة .. والصورة ما بتبقي أصل .
والاصل عندكم دايرين بي الصورة شنو ؟

يعود أصل هذه العبارة إلى المثل الشعبي المصري الشهير

“قليل الأصل يسيب الأصل وياخد الصورة”،

قال تعالي :

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

صدق الله العظيم

كابتن طيار عادل المفتي
١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م

Exit mobile version