التدخلات الخارجية تطيل أمد حرب السودان

تلعب التدخلات الخارجية دوراً رئيساً في تغذية وإطالة أمد الحرب في السودان من خلال تحويل الصراع المحلي إلى وكالة إقليمية ودولية، إذ تتهم تقارير دولية ومحلية أطرافاً إقليمية بتقديم دعم عسكري ومالي لأطراف النزاع، مما يمنحها القدرة على مواصلة القتال ويمنع حسم المعركة عسكرياً. في وقت تسعى بعض الدول الإقليمية إلى تحقيق مكاسب استراتيجية، مثل تأمين مصالح اقتصادية أو السيطرة على خطوط الملاحة والموارد الطبيعية (كالذهب)، مما يجعل استمرار النفوذ أهم من السلام. فما طبيعة وحدود هذه التدخلات وأثرها في إطالة الحرب وتعقيد الأزمة التي يعيشها السودان؟

هل تؤدي حرب السودان إلى تفكك هذه الدول قريبا؟

خبراء مصريون يردون على مزاعم استفادة مصر من حرب السودان

مشروع أجنبي
يشير المحلل السياسي خالد موسى إلى أن إطالة أمد الحرب في البلاد وتوسعها بصورة كبيرة يؤكدان وجود مشروع أجنبي تحرّكه قوى دولية نافذة بهدف إحداث تحوّلات بنيوية جارفة في مكونات المجتمع السوداني الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، انتهاء بتقسيمه وتحويله إلى بؤرة فوضى ممتدة، وذلك من خلال موجات النزوح الواسع داخل السودان وخارجه.

ولفت موسى إلى إن “استمرار القتال الذي دخل عامه الرابع يكشف بجلاء الرغبة الخفية لدى القوى الخارجية الممتدة في استخدام الساحة السودانية كورقة ضغط في ملفات إقليمية ودولية أخرى، في ظل غياب رؤية وطنية موحدة وارتهان الإرادة السياسية والعسكرية للخارج”.

ونوه إلى أن موقع السودان الاستراتيجي لناحية تحكّمه في جزء مهم من أمن البحر الأحمر والتجارة الإقليمية، إلى جانب ارتباطه بملفات الهجرة والطاقة والزراعة والمعادن، دفع بعض القوى الإقليمية إلى التعامل معه من زاوية توازن النفوذ أكثر من زاوية حل الأزمة، إذ يسعى كل طرف إلى حماية مصالحه ومنع خصومه من توسيع حضورهم داخل هذا الوطن المأزوم، والنظر إليه على أنه ساحة نزاع داخلي.

وأوضح أن التنافس الإقليمي يفسر تعدد المبادرات السياسية وتضارب المواقف الدولية تجاهها، في ظل اختلاط الحسابات الاقتصادية بتلك الأمنية والعسكرية، لذا تحولت الأزمة السودانية بفعل هذا التشابك، إلى ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ الإقليمي، وهو ما يهدد بإطالة أمد الحرب وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

وخلص المحلل السياسي إلى القول “في تقديري إن التحليل العميق لمواقف وسيكولوجية الدول الإقليمية يظهر بوضوح كيف تحولت هذه التحالفات من أدوات دبلوماسية، يفترض أن يكون همها الأساس تحقيق السلام، إلى وقود حقيقي يزيد من تأجيج هذه الحرب، مما يهدد بتفتيت كيان الدولة الجغرافي والسياسي والاجتماعي”.

دوافع اقتصادية
من جانبه، يرى الباحث في الشؤون السياسية والعسكرية ياسر إبراهيم أن نزاع السودان تحرّكه دوافع اقتصادية وجيوسياسية وأيديولوجية متداخلة، وهو جزء من خطة إعادة تشكيل المنطقة.

وبين أن من أبرز مؤشرات التدخلات الخارجية في هذه الحرب تدفق الأسلحة الحديثة والمتطورة الصنع، وذلك من خلال ظهور أسلحة نوعية ومسيرات متطورة لدى أطراف النزاع لا تمتلكها الجيوش التقليدية، مما يدعم استمرار القدرات القتالية، واستمرار إطالة أمد العمليات العسكرية. وأكد أن هذه التقنيات التي توفر إمكانات متقدمة في القتال، تعكس مستوى جديداً من الدعم العسكري الذي يتجاوز القدرات المحلية، إذ إن وجود هذه الطائرات المسيرة في ساحة المعركة يشير إلى أن الصراع لم يعد محصوراً في إطار داخلي، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية.

وتطرق إبراهيم إلى “المنصات الدبلوماسية المتعارضة التي تعوق أي تسوية سياسية شاملة وبخاصة عندما تتحوّل الأطراف السودانية نفسها إلى رهائن للدعم الخارجي، سواء كان سياسياً أو مالياً أو إعلامياً أو عسكرياً، فضلاً عن عجز الأطراف المحلية عن حسم المعركة عسكرياً لفترة طويلة، الذي يعود إلى الإمداد الخارجي اللوجيستي والمالي المتجدد”.

ونوه إلى حال الاستقطاب الدبلوماسي والسياسي التي صاحبت الأزمة السودانية منذ اندلاعها في منتصف أبريل (نيسان) 2023، والتي تسببت في انقسام المواقف الإقليمية والدولية ودعم مسارات تفاوضية متوازية أو متضاربة مثل منبر جنيف ومبادرات أخرى، مما أضعف فرص الحل الموحد.

كذلك أشار إلى تقاطعات المصالح الاقتصادية والاستراتيجية كأحد أبرز مؤشرات التدخل الخارجي، وذلك من خلال السعي إلى السيطرة على الموارد الحيوية مثل الذهب والمعادن وموانئ البحر الأحمر، وهو ما انعكس في تقارير أممية وغربية عن شبكات تمويل عابرة للحدود.

وزاد الباحث في الشؤون السياسية والعسكرية “كذلك من ضمن هذه المؤشرات الإشارات المتكررة لقيادات سودانية ومسؤولين في الجيش عن تورط أطراف إقليمية ودولية عدة في تقديم الدعم المادي واللوجيستي لقوات ’الدعم السريع‘ أو التأثير في مسار الأزمة، إضافة إلى إشارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى أن استغلال بعض الأطراف الخارجية لحال الجمود في مجلس الأمن أضعف قدرة المجتمع الدولي على ردع الدول المانحة للسلاح أو معاقبتها، مما كرّس شعوراً بالإفلات من العقاب”.

Exit mobile version