الهدنة الأميركية في السودان تصطدم بهاجس تثبيت خريطة النفوذ العسكري

في وقت تتصاعد العمليات العسكرية في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، يخفت صوت المبادرات والوساطات الإقليمية والدولية التي ظلت طوال أعوام محصورة في دائرة المناشدة والمناداة دونما تقدم يذكر، بينما تظل العملية السياسية عالقة في محطة التحضير والتهيئة لحوار داخلي لم تتضح معالم أطرافه بعد، وعند المفترق يكتسي أفق الحل السياسي بالضباب وتتجمد فرص التسوية، انتظاراً لما ستؤول إليه موازين القوى، فإلى أين تتجه مآلات الحرب والأزمة السياسية في السودان؟ ولماذا خفت صوت المبادرات والوساطات الإقليمية والدولية؟

تمبور يعلق على مقترح هدنة الـ 90 يوماً

مجلس السلم والأمن الأفريقي يدعو لهدنة تمهد لوقف إطلاق النار في السودان

على رغم دخول الحرب في السودان مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والاتساع الجغرافي في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، لا تزال آفاق التسوية السياسية تبدو بعيدة، وسط سباق عسكري لإعادة رسم خريطة السيطرة والنفوذ الميداني، من دون الوصول إلى اللحظة التي يتوقف فيها القتال ويبدأ فيها الحل السياسي التفاوضي.

تكاثر الوساطات
في السياق يرى أستاذ التفاوض والنزاعات أزهري عبدالغفار أنه دائماً في أي نزاع هناك أفق للحل، لكن الصيغة التي سارت بها الوساطات منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم هي أنها تكاثرت حتى بدأت وكأنها خفتت، والمطلوب الآن هو الانتقال من مرحلة تعدد المبادرات إلى مرحلة أكثر تركيزاً للوصول إلى الحلول، وليس بالاختفاء الكامل لمسار الحل السياسي كما يحدث الآن.

يعتقد عبدالغفار أن نقطة التحول ومفتاح الحل الحقيقي سيكونان عندما تلتقي ثلاثة عوامل تغير الحساب العسكري، وعندما يدرك الطرفان أن الحرب لن تمنح أياً منهما نصراً حاسماً أو أن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من مكاسب الحرب، من الجانب الآخر عندما يتسق ويتناسق الضغط الإقليمي بمعنى أن تتوقف الدول المؤثرة عن العمل عبر مسارات متعارضة، وتصبح لديها رسالة واحدة تجاه الطرفين.

الحلقة المفرغة
يضيف “التحركات لم تخفت تماماً لكنها تدور في الحلقة المفرغة ذاتها، فحتى مطلع هذا الشهر كانت هناك تحركات فعلية من قبل الآلية الخماسية، وقد زارت الخرطوم وأجرت لقاءات عدة انتهت بتأكيدها أن لا حل عسكرياً للأزمة، بينما تدفع الولايات المتحدة بإصرار شديد نحو هدنة إنسانية لثلاثة أشهر مما يتوجس منه الجيش ويسجل كثيراً من التحفظات على مقترح الهدنة كونها مكسباً لـ’الدعم السريع‘ في أن تعيد تنظيم صفوفها، فضلاً عن مخاوف ترسيخ مثل هذه الهدنة لواقع التقسيم الجغرافي المرتبط بجغرافيا السيطرة الميدانية”.

التسوية الممكنة
يشدد الأكاديمي على أن الوصول إلى السلام لا يحتاج فقط إلى الضغط على المتحاربين، بل يحتاج إلى تقديم مخرج للطرفين عبر صيغة تجعل من قبول التسوية ممكناً لكليهما، لذلك فإن التسوية تحتاج في النهاية إلى معالجة ملفات متشابكة ومتكاملة، أولها وقف الحرب وإعادة بناء الدولة ثم اتفاق سياسي شامل حول مستقبل شكل الدولة والحكم.

أما التعويل على الحسم العسكري وحده من جانب الطرفين فهو يحمل أخطاراً كبيرة على البلاد، وهنا تحديداً وفق أستاذ التفاوض والنزاعات، تظهر أهمية المسار المدني الذي تعمل الخماسية على بلورته، فقد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي أن هدفها هو بناء عملية سياسية سودانية شاملة تمهد لحكومة مدنية ديمقراطية، في ظل استمرار التشاور مع القوى السياسية والمدنية.

الجيش والهدنة
على الصعيد ذاته، يرى الباحث السياسي والأمني، عبدالمجيد عزالدين، أن الانتصارات الميدانية الواسعة التي حققها الجيش أخيراً في كردفان يمكن أن تجعل موقفه من التفاوض أكثر مرونة، من دون أن تكون النتيجة الفورية بالضرورة هي قبول مقترح الهدنة الإنسانية الأميركية بشروطها الحالية.

يرجح عزالدين أن يرفع الجيش سقف شروطه للقبول بتلك الهدنة، ومن بعد يمكن أن يقود القبول بشروطه إلى عنصر يدفعه إلى التفاوض من موقع أكثر قوة، كون المكاسب التي حققها في كردفان تعطيه سبباً قوياً لرفض هدنة يرى فيها إنقاذاً لقوات “الدعم السريع” من مأزقها العسكري.

الثمن السياسي
يتابع “ظل سقف مطالب الجيش للقبول بالهدنة قبل تقدمه الواسع في كردفان هو نقطة الخلاف الأساسية مع المقترح الأميركي، إذ يطالب بانسحاب شامل لـ’الدعم السريع‘ من كل المدن التي يسيطر عليها منذ بداية الحرب، بينما يرى الطرف الآخر في ذلك استسلاماً غير مشروط لن يقبل به، وعند هذه النقطة ينهار مقترح الهدنة”.

أما في حال واصل تقدمه واستعاد معظم المدن والمناطق المهمة في كردفان، بما يمنحه تفوقاً استراتيجياً، فيرى عزالدين أن الجيش سيطالب وقتها بثمن سياسي كبير مقابل (الهدنة) ووقف العمليات، وهذا ما يدفع قيادته إلى زيادة الضغط العسكري من أجل تحسين موقفها وشروطها السياسية للقبول بتسوية المنتصر.

مرونة المنتصر
يردف “كلما تقدم الجيش في كردفان تقل حاجته إلى قبول هدنة يخشى أن تؤدي إلى تثبيت خريطة السيطرة الحالية، وعلى رغم أن الانتصارات العسكرية قد تجعل الجيش متشدداً إزاء أي تفاوض في الوقت الحالي، لكنها قد تجعله يكون أكثر استعداداً للتفاوض في المستقبل”.

لا يستبعد الباحث الأمني أن يكون تصعيد الضغط الأميركي الحالي على الجيش برفض منح البرهان تأشيرة الدخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وربط ذلك بموقفه من مقترح الهدنة، وأنه ناتج من قراءة أميركية لما ستكون عليه مواقف الجيش عقب الانتصارات التي حققها في كردفان وأنها ستمنحه مزيداً من الثقة وتدفعه إلى التشدد أكثر.

مكاسب الجيش
منذ أواخر يوليو (تموز) الماضي وسع الجيش نطاق سيطرته في ولاية شمال كردفان، مستعيداً مناطق ومدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة ومواقع أخرى، ثم واصل تقدمه في سبتمبر (أيلول) الجاري نحو مناطق جديدة باستعادة 11 منطقة في الولاية ذاتها، كذلك سيطر على مناطق مهمة على الطريق الرابط بين الأبيض والدلنج بجنوب كردفان.

وحقق أيضاً خلال الأسابيع الأخيرة تقدماً واسعاً في شمال وجنوب كردفان، بما في ذلك استعادة مناطق على محور الأبيض – الدلنج، والسيطرة على مواقع قرب بارا.

Exit mobile version