في باحة الجامعة الأهلية بمدينة أم درمان، حيث يعيش طلاب وأساتذة جامعة الفاشر في مقر مؤقت بعد أن هجّرتهم الحرب من ديارهم، يقف الأستاذ بكلية التربية الدكتور عبد الرحمن إبراهيم، أمام لوحة تذكارية تحمل أسماء 54 قتيلا من زملائه وطلابه.
يمرّ إصبعه على الأسماء ببطء، وكأنه يلمس وجوها يعرفها. يتوقف عند اسم الدكتور محمد أحمد آدم الختيم، عميد كلية التربية، ثم عند اسم الدكتور الصادق أحمد عبد الله، عميد كلية القرآن الكريم، ثم عند اسم الدكتور بهاء الدين جمعة هارون، مدير مركز دراسات السلام والتنمية وحقوق الإنسان. ويقول: “كل اسم في هذه اللوحة قصة كاملة”.
مسؤول أممي: الفاشر شبه خالية من علامات الحياة
مجلس الأمن يحدد 6 قادة بالدعم السريع متورطين بحصار الفاشر
ويتابع “الختيم كان يحلم بافتتاح قسم جديد خاص بتطوير المناهج، والصادق كان يعدّ مقترحا لإضافة أقسام جديدة للكلية، وبهاء الدين كان يقول إن السلام في دارفور يحتاج إلى عقول لا إلى بنادق. والآن، كل هذه الأحلام معلقة على جدار”.
بين الجثث
يروي الدكتور عبد الرحمن كيف خرج من مدينة الفاشر يوم سقوطها في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، في مشهد يقول إنه لا يزال يطارده في كل ليلة.
“في صباح ذلك اليوم، سمعت أصوات القناصة فوق أسطح المباني. حاولت الوصول إلى بوابة الجامعة، لكن الرصاص كان يتساقط كالمطر. مشيت بين الجثث، وأنا أردد: يا رب نجني”.
ويضيف: “وصلت إلى أم درمان بعد رحلة استغرقت أياما، كنت أشرب من مياه ملوثة، وأنام تحت الأشجار. لم أعرف إن كنت سأصل أم لا. لكنني وصلت، ووصلت معي ذكريات لا تموت”.
الجامعة الأولى
ويكشف وكيل جامعة الفاشر البروفيسور عبد القادر أحمد حمدان للجزيرة نت، عن حجم الخسارة التي حلّت بالجامعة، قائلا: “الجامعة هي الأولى في دارفور، وتضم 32 كلية، ويعمل بها 1179 من أعضاء هيئة التدريس والموظفين والعاملين. وبعد الحرب، لم يتبقَّ سوى 887 شخصا، بينما استُشهد 54 من أبناء الجامعة، من بينهم 8 عمداء كليات، وآخرون لا يزالون في عداد المفقودين”.
ويشير إلى أن العمداء الشهداء هم: الدكتور محمد أحمد آدم الختيم، عميد كلية التربية، والدكتور الصادق أحمد عبد الله، عميد كلية القرآن الكريم، والدكتور بهاء الدين جمعة هارون، مدير مركز دراسات السلام والتنمية وحقوق الإنسان، والدكتور يعقوب عيسى أحمد، عميد كلية الآداب، والدكتور عبد الرحمن محمد أحمد، عميد كلية التربية، والدكتور آدم إبراهيم أحمد عثمان، نائب أمين الشؤون العلمية، والدكتور محمد مصعب عباس البقي، من قسم الأحياء بكلية التربية.
ويؤكد: “هذه الأسماء ليست أرقاما بل رموزا لعطاء لا ينقطع”.
تدمير ممنهج
ومن جانبه، يقول عميد الشؤون العلمية بجامعة الفاشر البروفيسور حافظ محمد إبراهيم للجزيرة نت: “تعرضت البنية التحتية لتدمير ممنهج استهدف القاعات ومنازل الأساتذة، وفي مقدمتها إنسانها”. ويوضح أن “الفاشر هي جامعة الشهداء، حيث قدمت 54 شهيدا، ولا يزال عدد كبير من أبنائها في عداد المفقودين”.
ويضيف أن “ما تعرضت له الجامعة لم يكن استهدافا لمؤسسة أكاديمية فحسب، بل كان محاولة لطمس ذاكرة العلم في دارفور، لكننا سنواصل رسالتنا حتى في المنفى”.
ثكنة عسكرية
ويقول استشاري علم الاجتماع وأحد خريجي الجامعة الدكتور محمد سليمان حامد أتيم “كنت حاضرا يوم سقوط المدينة، حيث ارتكبت قوات الدعم السريع أبشع الانتهاكات داخل الجامعة، وحوّلتها إلى ثكنة عسكرية حتى تاريخ اليوم”.
ويشير أتيم، في حديث للجزيرة نت، إلى أن “الجامعة التي كانت رمزا للتعايش السلمي في دارفور، أصبحت اليوم ساحة للانتهاكات، وقاعاتها التي كانت تضج بأصوات المحاضرات، صارت مقرا للاعتقالات والتعذيب”.
“أكثر الحوادث إيلاما”
بحسب تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 13 فبراير/شباط 2026، فإن قوات الدعم السريع، خلال هجومها على الفاشر في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، “أطلقت النار من أسلحة ثقيلة على نحو ألف مدني كانوا يحتمون في داخلية الرشيد بجامعة الفاشر، مما أسفر عن مقتل نحو 500 شخص”، في واحدة من أكثر الحوادث التي وثقتها البعثة الأممية إيلاما.
ويؤكد التقرير أن “القتل الجماعي والإعدام خارج نطاق القضاء والعنف الجنسي والاختطاف مقابل فدية والتعذيب والاختفاء القسري والنهب واستخدام الأطفال في الأعمال العدائية، كلها انتهاكات وثقتها البعثة في الفاشر”.
استمرار في المنفى
ويقول عميد شؤون الطلاب بجامعة الفاشر الدكتور أحمد محمد أحمد، في تعليق للجزيرة نت: “اللوحة التذكارية التي علقناها في جامعة أم درمان الأهلية ليست مجرد قائمة أسماء، بل هي شهادة على أن جامعة الفاشر لم تمت، وأن أبناءها ما زالوا يحملون رسالتها في المنفى”.
ويضيف: “نحن نعلم أن الأسماء لا تعيد الشهداء، لكنها تحفظ ذاكرتهم، وتحفظ معها حق الأجيال المقبلة في معرفة ما حدث”.
ويشير عميد شؤون الطلاب إلى أن “الجامعة تواصل عملها الأكاديمي رغم الظروف، حيث استُؤنفت الدراسة في المقر المؤقت، وأن الطلاب يواصلون تعليمهم رغم الجراح”.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، نزح أكثر من 14 مليون شخص بسبب “النزاع” في السودان منذ أبريل/نيسان 2023، بينما يواجه نحو 28 مليونًا خطر الجوع الحاد.
وسعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من قوات الدعم السريع حول اتهامها باستهداف جامعة الفاشر وارتكاب انتهاكات داخل حرمها، وذلك عبر التواصل مع الناطق الرسمي باسمها، لكنها لم تتلقَّ ردا.
