يعيد عثمان قرشي أحمد، إصلاح ساعات قديمة داخل متجره بالسوق الأفرنجي، وهي المهنة التي ورثها عن أبيه وأجداده وبدأ العمل فيها منذ أن كان في السادسة عشرة من عمره.
كان عثمان من أوائل أصحاب المحال الذين عادوا إلى السوق بعد توقف نشاطه خلال الحرب، ومع عودته بدأ زبائن في جلب ساعاتهم القديمة إلى متجره لإصلاحها.
الدعم السريع تهاجم و تنهب سوق مدينة أم بادر
تطوّرات بشأن إضراب التجار بسوق عطبرة
ويقول عثمان في حديثه إن مظاهر الدمار ما تزال حاضرة في السوق، وإن ظروف العمل تغيرت كثيرا عما كانت عليه قبل الحرب.
ففي السابق، كان السوق يعمل بلا توقف، وكان أصحاب المهن يواصلون العمل ليلا ونهارا، أما اليوم، فيقول إن عدم توفر الكهرباء وتداعيات الحرب من بين المعوقات التي تواجه أصحاب المحال في استئناف نشاطهم.
وبعيدا عن متجر عثمان، تتوزع في السوق محال للملابس والأحذية والساعات والنظارات، لكن معظمها ما يزال مغلقا، فيما تبدو آثار الدمار واضحة في الشارع وواجهات المحال.
وفي أحد المتاجر التي تعرضت للقصف، يواصل عمر محمد عمله من داخل محله، رغم الأضرار التي لحقت به. اختار العودة إلى المكان ومباشرة نشاطه، في وقت ما تزال فيه أجزاء واسعة من السوق مغلقة.
يقول عمر إن السوق الأفرنجي يرتبط بالنسبة إليه بذكريات وتفاصيل عاشها خلال سنوات عمله فيه، وإن عودته إلى المكان جاءت رغم ما لحق بالمتجر والمنطقة من أضرار.
ويرى أن عودة السوق ترتبط بعودة أهله وزبائنه، معتبرا أن وجود التجار واستئنافهم العمل وعودة المتسوقين من العوامل التي يمكن أن تعيد الحركة إلى المكان.
تجارة وذاكرة في وسط الخرطوم
وبعد توقف دام خلال سنوات الحرب، بدأ أصحاب المحال قبل نحو ثلاثة أشهر في إعادة فتح السوق بمبادرة منهم.
وعلى جانبي شارع الجمهورية، يتركز النشاط الحالي للسوق الأفرنجي في مربعين متقابلين، فيما تمتد آثار الدمار إلى بقية أجزائه، حيث أغلقت معظم المحال أبوابها. وفي المربعين المفتوحين، عادت عدد من محال الملابس والأحذية والساعات والنظارات إلى العمل.
ويرتبط السوق الأفرنجي بمنطقة وسط الخرطوم القديمة، وكان في مراحل سابقة من أبرز مناطق النشاط التجاري في العاصمة، واشتهر بتجارة الملابس والأحذية والأقمشة وغيرها من السلع التي كان جزء منها يستورد من الخارج. وارتبط اسمه تاريخيا بتجار من الأرمن والأغريق والطليان واليهود، قبل أن تتغير تركيبة السوق وأنشطته التجارية على مر السنين.
وتضم المنطقة عددا من المعالم التي ارتبطت بتاريخ السوق، من بينها أتني وسانت جيمس وبابا كوستا، إلى جانب محال تجارية قديمة، فيما يمتد السوق على أجزاء من شارع الجمهورية والشوارع المتفرعة منه.
وفي مرحلة ازدهاره، لم يكن السوق مقتصرا على النشاط التجاري؛ فقد ارتبط أتني أيضا بالمقاهي والتجمعات الاجتماعية والثقافية، وأصبح المكان جزءا من ذاكرة وسط الخرطوم.
عودة بعد الحرب
ومن بين التجار الذين عادوا إلى السوق الأفرنجي أبو القاسم علي، الذي يعمل في تجارة الأحذية، وكان من أوائل العائدين بعد توقف النشاط خلال الحرب.
ويقول أبو القاسم في حديثه للجزيرة نت إنهم بدأوا العودة بثلاثة أشخاص فقط، قبل أن يرتفع عدد الموجودين في السوق، منذ إعادة افتتاحه، إلى نحو مئة شخص.
ويضيف أن التجار يحاولون توفير محال بديلة والتوسع في المساحات المتاحة، لكن ارتفاع تكاليف الصيانة دفع بعضهم إلى خيارات أقل كلفة، بينها عرض بضائعهم على طاولات متنقلة داخل السوق.
أما محمد موسى داجو فيستعيد جانبا آخر من ذاكرة السوق الأفرنجي، إذ يقول في حديثه للجزيرة نت إن المكان ظل لسنوات يعني له ولآخرين أكثر من مجرد محال تجارية، وارتبط بالحياة الاجتماعية والثقافية في وسط الخرطوم.
ويشير إلى أن السوق كان ملتقى لفنانين ومثقفين، ويستذكر فترة كان فيها المكان مقصدا للأجانب، إلى جانب نشاطه التجاري.
وبالنسبة لمحمد، فإن عودة التجار إلى السوق لا ترتبط فقط بإعادة فتح المتاجر، وإنما باستعادة المكان لما ارتبط به من حركة وذكريات خلال سنوات سابقة.
السوق في ذاكرة رواده
ويرى الباحث الاجتماعي السمؤال ضياء الدين أن بعض الأسواق القديمة تتحول مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الاجتماعية للمدينة، لما تنشأ فيها من علاقات وذكريات مرتبطة بالمكان ومبانيه ومهنه وأشخاصه.
ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن عودة الناس إلى هذه الأسواق بعد فترة من التوقف قد تعكس رغبتهم في استعادة علاقتهم بأماكن ارتبطت بجزء من حياتهم اليومية.
ولا تقتصر علاقة السوق الأفرنجي على التجار وأصحاب المحال، إذ ارتبط به أيضا رواده الذين اعتادوا ارتياده على مدى سنوات، لما يمثله المكان لهم من ذكريات وتفاصيل تتجاوز النشاط التجاري.
ومن بين هؤلاء منتصر عبد الله، أحد رواد السوق، الذي يقول إن علاقته بالمكان تمتد لسنوات، وإنه كان يأتي إليه حتى من دون غرض للشراء، ويتجول في أرجائه ويتأمل مبانيه القديمة ومعالمه البارزة.
ويقول منتصر في حديثه للجزيرة نت إن زيارته للسوق بعد غياب نحو ثلاث سنوات أعادت له ذكرياته القديمة، لكنه صُدم بحجم الدمار الذي لحق بالمكان، مشيرا إلى أن الحرب غيّرت بعض ملامح المحال والمعالم التي اعتاد رؤيتها في السوق الأفرنجي.
إعلان
وبالنسبة إليه، لا يرتبط السوق بالنشاط التجاري وحده، وإنما بذكريات وتفاصيل تراكمت لديه خلال سنوات ارتياده للمكان.
وبينما يستعيد بعض التجار أعمالهم، تبقى في السوق تفاصيل قديمة نجت من الحرب وأخرى تغيرت ملامحها، لتصبح عودة رواده جزءا من المشهد الجديد للسوق الأفرنجي.
