رشان اوشي تكتب : من يعرقل موانئ السودان؟

في٢٧/سبمتبر الجاري، انعقد في بورتسودان المؤتمر الدولي للموانئ، بالتعاون مع الأكاديمية العربية للموانئ التابعة لجامعة الدول العربية، و بمشاركة عدد من الدول و الجهات المهتمة بالموانئ السودانية.

كنت حضوراً في المؤتمر، و خرجت منه بانطباع واضح ، العالم ينظر إلى الساحل السوداني و موانئه باعتبارها فرصة جيوسياسية و اقتصادية ضخمة.
موقع استثنائي على البحر الأحمر يمكن للسودان، إذا أحسن استغلاله، أن يجني منه ذهباً.

لكن المؤتمر جعلني أنظر إلى الموانئ من زاوية أخرى تماماً.
فنحن دائماً ما نتحدث عن الاستثمار في الموانئ، وعن الشركات التي يمكن أن تأتي، و المشروعات، والإيرادات التي يمكن أن تحققها. لكننا قليلاً ما نسأل عن حال المؤسسة التي تدير هذه الموانئ، و عن قدرتها أصلاً على مواكبة هذا الطموح.
و هنا اكتشفت أن المشكلة أكبر من ذلك. المشكلة في القوانين، وفي القيود المالية التي عطّلت هيئة الموانئ البحرية لسنوات.

رشان اوشي تكتب : من يدفع الفاتورة؟..(١) كيف آل قوت 40 مليون سوداني إلى سيطرة ثلاثة رجال؟
و بصورة أكثر وضوحاً، تتحمل وزارة المالية جانباً أساسياً من مسؤولية تعطيل تطوير الموانئ السودانية، بسبب إحجامها عن توفير التمويل اللازم لصيانة معداتها وآلياتها وتحديث بنيتها التشغيلية، رغم أن الموانئ مرفق اقتصادي حيوي ورافد مباشر لخزينة الدولة.

هذه العقبة واجهت، بحسب ما وقفت عليه، المديرين الذين تعاقبوا على هيئة الموانئ البحرية؛ إذ ظلت الهيئة مقيدة في قدرتها على الإنفاق على احتياجاتها الأساسية، بسبب الإجراءات المالية والتداخلات التي تحول دون استخدام مواردها في الوقت الذي تحتاج فيه إليها.

و النتيجة كارثية محطات الكهرباء في الموانئ الأساسية، التي تعمل يومياً في عمليات الشحن و التفريغ، معطلة، و المعدات و الآليات تحتاج إلى الصيانة، بينما تتراجع قدرة الهيئة على تقديم الخدمات اللوجستية للسفن.

كيف يمكن لميناء أن ينافس إقليمياً ودولياً، بينما معدات تشغيله الأساسية خارج الخدمة؟وكيف نطلب من المستثمر أن يضع أمواله في موانئ السودان، بينما الدولة نفسها لا توفر للمؤسسة المسؤولة عن تشغيل هذه الموانئ القدرة الكافية على صيانة معداتها وتطويرها؟. و الأغرب من ذلك أن الهيئة لا تعاني فقط من شح الموارد، وإنما من العجز عن استخدام مواردها الخاصة بالمرونة والسرعة المطلوبتين لإنقاذ أصولها وتطويرها.

المشكلة تبدو أعمق من الأشخاص؛ إنها مشكلة هيكل إداري، و صلاحيات، و ولاية مالية. فالموانئ السودانية ليست مجرد مرفق خدمي عادي يمكن أن يحتمل البطء الإداري والتقاطعات الحكومية. نحن نتحدث عن مورد استراتيجي سيادي يقع في منطقة ذات أهمية جيوسياسية، و عن مؤسسة يفترض أن تكون قادرة على اتخاذ قراراتها التشغيلية والتطويرية في الوقت المناسب.

لذلك، أعتقد أن الوقت قد حان للنظر في تغيير الوضع الإداري لهيئة الموانئ البحرية، بحيث تتبع مباشرة لمجلس السيادة، على غرار هيئة المعابر، بما يمنحها مساحة أكبر من الاستقلالية.
كما أن هذا الترتيب يمكن أن يساعد في إبعاد الهيئة عن تأثير مراكز القوى وصراعات الهيمنة التي قد تتحول، في بعض الأحيان، إلى عامل إضافي يعطل القرار ويؤخر التطوير.

السودان لا يحتاج إلى اكتشاف أهمية موانئه؛ العالم اكتشفها بالفعل.ما يحتاجه السودان الآن هو أن يتعامل مع هذه الموانئ باعتبارها أصل سيادي استراتيجي للدولة، وليس مجرد مؤسسة حكومية تخضع للدورة التقليدية للبيروقراطية المالية والإدارية.

نحن نملك ساحل يمكن أن يكون بوابة اقتصادية للسودان إلى العالم، و خاصة في هذا التوقيت الذي تدور فيه حروب واضطرابات أمنية حول مضيقي هرمز وباب المندب، بما أدى إلى اضطراب الملاحة الدولية و رفع الأهمية الاستراتيجية للممرات و الموانئ البديلة على البحر الأحمر.

لكن قبل أن نفتح الباب للمستثمرين، علينا إصلاح الموانئ نفسها.
فلا يمكن أن نطلب من العالم أن يستثمر في موانئ لا تستطيع الدولة أن تنفق على صيانتها وتطويرها.
و الثراء الذي يراه العالم في البحر الأحمر قد يضيع، لأن البيروقراطية تقف بين السودان وثروته.

محبتي و احترامي
رشان اوشي

Exit mobile version