شهد الوضع العملياتي بجبهات القتال في السودان تراجعاً نسبياً في حدة المواجهات البرية الكبرى، قابله تصاعد لافت في حرب المسيّرات وحملات الاستنزاف الجوي، مع تركيز ميداني مكثف في إقليم كردفان، وذلك بعد المكاسب الميدانية الواسعة التي حققها الجيش أخيراً باستعادة السيطرة الكاملة على المحور الشمالي وطريق الصادرات ومدن استراتيجية مثل سودري.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن اشتباكات اندلعت أمس الأربعاء، بين قوات “درع السودان” و”القوات المشتركة” المساندة للجيش من جهة، وقوات “الدعم السريع” من جهة أخرى، في شمال غرب مدينة سودري الاستراتيجية، التي سيطر عليها الجيش أخيراً، وذلك عقب محاولة تسلل من الأخيرة قادمة من اتجاه دارفور عبر الصحراء لاستعادة المدينة، حيث تصدت القوات المتحالفة مع الجيش لهذا التسلل من خلال كمين أسفر عن تدمير رتل من المركبات القتالية لقوات الجماعة.
الجيش يطلق حملة استنزاف جوية واسعة ضد “الدعم السريع” بكردفان
الجيش السوداني يتقدم في جنوب كردفان ويصد هجوما جويا على الأبيض
الجيش يعزز تقدمه بكردفان ومقترح أميركي لإنهاء الحرب
وأطلق الجيش حملة استنزاف جوية واسعة استهدفت تحركات ومواقع “الدعم السريع” بإقليم كردفان، وذلك لتعزيز مكاسبه البرية الأخيرة وتأمين خطوط الصادرات الغربية وطرق بارا وسودري التي استعادها أخيراً. وواصل الجيش والقوات المساندة له زحفهم البري للتمدد نحو ولاية غرب كردفان (تحديداً مدينتي النهود والخوي) لفتح الطريق بالكامل نحو دارفور وإيقاف إمدادات “الدعم السريع”.
توتر ونهب
في الأثناء، شهدت أجزاء من غرب كردفان نشاطاً أمنياً متوتراً، إذ أفادت “غرفة طوارئ دار حمر” أن قوات “الدعم السريع” نهبت كل المحلات التجارية في منطقة “عيال بخيت” بريف الخوي في ولاية غرب كردفان، واستولت على المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، مشيرة إلى أن القوات اتجهت عقب ذلك نحو مدينة النهود لممارسة انتهاكاتها الشنيعة في حق المدنيين.
وكان أن رصدت تحركات برية ومحاولات لقوات “الدعم” لإيصال تعزيزات عسكرية ومنظومات تشويش إلى محليات غرب كردفان مثل ود بندة والنهود، بهدف رفع الروح المعنوية لقواتها وتثبيت مواقعها بعد خسارتها مناطق واسعة في شمال كردفان.
وفي أغسطس (آب) الماضي، أغلقت “الدعم السريع” الأسواق العامة بمدينة النهود وعطلت خدمات الإنترنت عبر “ستارلينك”، وسط اتهامات محلية بتشديد القيود الأمنية ونهب ممتلكات مدنيين.
وتحدثت تقارير عن تدهور الأوضاع المعيشية في النهود والخوي وغيرها من مناطق غرب كردفان، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع قدرة السكان على تأمين احتياجاتهم الأساسية.
ويمر إقليم كردفان عامة بمرحلة إعادة تموضع عسكري، حيث يسعى الجيش إلى تأمين محيط الأبيض بالكامل والتقدم غرباً نحو تخوم دارفور، بينما تعتمد “الدعم السريع” بشكل أساس على القصف المدفعي والمسيّرات لمحاولة إعاقة هذا التقدم.
هدوء وتراجع
في الموازاة، اتسم الوضع العملياتي في إقليم النيل الأزرق المتاخم للحدود مع إثيوبيا بشبه هدوء وتراجع ملحوظ في حدة المعارك البرية المباشرة، مفسحاً المجال أمام حرب استنزاف متبادلة واستقطاب حاد حول موارد الإقليم، بخاصة الذهب، وتأمين الحدود.
فبعد الأسابيع الماضية العنيفة التي شهدت هجمات مكثفة وكمائن في مناطق مثل “مغجة” و”الكيلي”، ساد الهدوء النسبي المحاور البرية الرئيسة مع احتفاظ الجيش بمواقعه الحالية وسعيه إلى تأمينها.
في الأثناء، أشارت تقارير ميدانية إلى أن جبهات إقليم النيل الأزرق والمناطق المتاخمة له مثل كاودا، باتت تشهد صراعاً تحت الأرض للسيطرة على مناطق تعدين الذهب، لافتة إلى وجود تحركات لشركات مرتبطة بـ”الحركة الشعبية شمال” (جناح جوزيف توكا) وقوات “الدعم السريع” لفرض قيود صارمة على عمليات الاستخراج والإنتاج في مناطق سيطرتهم للاستفادة من عائداتها المادية الكبيرة لتمويل المجهود الحربي.
وطبقاً لمصادر عسكرية، فإنه على رغم تراجع الزحف البري، استمر الاعتماد على طائرات الاستطلاع والمسيرات لمراقبة الخطوط الأمامية والمحاور المتاخمة للحدود الإثيوبية، خشية وقوع أي اختراقات مفاجئة، بخاصة بعد عمليات إسقاط متبادلة للمسيرات الطويلة المدى جرت قبل أيام.
في المقابل، انعكست تداعيات هذا الاستقرار الحذر سلباً على الأوضاع الإنسانية، إذ يواجه آلاف النازحين في الدمازين عاصمة الإقليم والمحافظات الأخرى ظروفاً معيشية بالغة القسوة ونقصاً حاداً في الأغذية والخدمات الطبية.
تحشيد وقصف
أما في إقليم دارفور فتراجعت حدة المعارك البرية المباشرة نسبياً مع استمرار التوتر العسكري والتحشيد وضربات الطيران الاستراتيجية، حيث أفادت مصادر ميدانية بتنفيذ طيران الجيش ضربات جوية دقيقة وموجعة، استهدفت قافلة إمداد ضخمة كانت تحاول التسلل لصالح “الدعم السريع” في طريق الفاشر – الكومة بولاية شمال دارفور.
وأكدت المصادر أن الضربات الجوية أسفرت عن تدمير كامل الشحنات وتحويلها إلى كتلة من اللهب والرماد، قاطعة الطريق نهائياً أمام أي محاولات لإمداد القوات المعادية.
في الأثناء، أعلن المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في إقليم دارفور، آدم رجال، عن تسجيل أكثر من 100 حالة إصابة بسوء التغذية الحاد وسط الأطفال في منطقة سوني بشرق جبل مرة، إلى جانب 30 حالة وفاة نتيجة مضاعفات سوء التغذية وتدهور الوضع الصحي.
وبيّن المتحدث أن “الأرقام المرصودة لا تعكس الحجم الحقيقي للكارثة، في ظل صعوبة حصر أعداد الإصابات والوفيات بسبب غياب المراكز الصحية ونظم الرصد والتبليغ الصحي في المنطقة، مما يرجح وجود حالات أخرى لم يتم توثيقها أو الوصول إليها”، لافتاً إلى أن “المنطقة تواجه تحديات متزايدة، بينها الجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي وندرة مصادر الغذاء، إلى جانب النقص الكبير في المساعدات الإنسانية مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة”.
وأكد أن الإقليم يشهد ارتفاعاً حاداً في أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والأدوية، تزامناً مع تراجع القدرة الشرائية وفقدان معظم الأسر النازحة مصادر دخلها، مما فاقم عجزها عن توفير الاحتياجات الأساسية.
وأشار آدم رجال إلى أن “ملايين النازحين في دارفور يعيشون ظروفاً إنسانية قاسية، بينما تعجز أسر كثيرة عن توفير الحد الأدنى من الغذاء والدواء ومياه الشرب الآمنة لأطفالها”، لافتاً إلى أن “معاناة السكان تتفاقم يومياً بسبب الجوع وانتشار الأمراض، في وقت تستمر فيه موجات النزوح بمعدلات تفوق قدرات الاستجابة الإنسانية الحالية”.
وناشد المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، المجتمع الدولي والجهات المانحة والمنظمات الإنسانية، التحرك بصورة عاجلة لتدارك الوضع، محذراً من أن “دارفور تقف على حافة كارثة إنسانية واسعة النطاق”.
تمديد فتح معبر أدري
إلى ذلك، مددت الحكومة السودانية، فتح معبر أدري الحدودي مع تشاد أمام المساعدات الإنسانية التي تقدمها منظمات ووكالات الإغاثة الدولية لثلاثة أشهر إضافية تنتهي في نهاية العام الحالي.
وأكدت وزارة الخارجية في بيان أن “تمديد فتح المعبر يأتي في إطار مواصلة الحكومة السودانية جهودها الرامية إلى تيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المتضررين في مختلف أنحاء البلاد، وتأكيداً لالتزامها بتوفير البيئة والتسهيلات اللازمة لعمل المنظمات الإنسانية، بالتنسيق مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية والوطنية، وفقاً للقوانين والنظم الوطنية وأحكام القانون الدولي الإنساني”.
وأعربت الخارجية السودانية عن تقدير حكومة بلادها التعاون القائم مع الأمم المتحدة والشركاء الإنسانيين في شأن الترتيبات الخاصة بآلية الرصد والمراقبة بمعبر أدري، مؤملة باستكمال الإيفاء بكل الترتيبات الإدارية والفنية اللازمة من جانب الشركاء الدوليين، بما يسهم في إحكام تنظيم عمل المعبر، وتعزيز الشفافية والرقابة، وضمان انسياب المساعدات الإنسانية ووصولها إلى مستحقيها.
وظل السودان يجدد فتح المعبر كل ثلاثة أشهر اعتباراً من الـ15 من أغسطس (آب) 2023، على رغم وقوعه في ولاية غرب دارفور الخاضعة لسيطرة “الدعم السريع”، بهدف ضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى الإقليم الواقع غرب البلاد.
دعوة لاستئناف المفاوضات
دولياً، حثت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، أطراف الحرب في السودان على استئناف المفاوضات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، مشددين على أن مستقبل الحكم في البلاد يجب أن يحدده السودانيون عبر عملية سياسية شاملة وذات صدقية وشفافية، وألا تعرقلها الجهات المسلحة أو الأطراف الخارجية.
وذكرت الدول والمنظمات، في بيان مشترك صدر عقب اجتماع وزاري في نيويورك، أنها تدعم جهود المجموعة الخماسية لتيسير حوار سياسي مدني وشامل يقوده السودانيون ويكون بملكية سودانية، إلى جانب جهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو لإعادة إطلاق الحوار السياسي.
ودعا البيان طرفي الحرب إلى استئناف المفاوضات، خصوصاً وفق مقترح المجموعة الرباعية للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، مؤكداً استعداد المشاركين لاتخاذ مزيد من الإجراءات لدعم الاتفاق وتنفيذه.
وأكد البيان أن وقف إطلاق النار، على رغم ضرورته، لا يكفي وحده، إذ إن التسوية السياسية الشاملة ينبغي أن تعالج قضايا ظلت تمثل جذوراً لمظالم تاريخية في السودان، لا سيما العلاقة بين المركز والأقاليم، وتوزيع السلطات، والحوكمة والترتيبات الدستورية، والترتيبات المالية في إطار نظام فيدرالي.
وأعرب المشاركون عن قلق بالغ إزاء النتائج التي توصلت إليها البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في شأن وجود دعم خارجي يعزز القدرات العسكرية لأطراف النزاع، وأدانوا التدخل العسكري من دول وجهات غير حكومية أجنبية، داعين إلى وقف تقديم المعدات العسكرية والدعم المالي للأطراف المتحاربة.
كذلك دعا البيان إلى تعزيز إجراءات الأمم المتحدة لمنع تدفق الأسلحة إلى الصراع، وتعزيز قدرة فريق المتخصصين التابع للأمم المتحدة على مراقبة ذلك، فضلاً عن دعوته المجتمع الدولي إلى زيادة التمويل الإنساني وتنفيذ التعهدات التي قُطعت خلال مؤتمر السودان في برلين، دعماً للمدنيين داخل السودان واللاجئين في دول الجوار.
سحب واستبدال العملة
اقتصادياً، قرر بنك السودان المركزي سحب جميع طبعات العملة القديمة من فئة الـ500 جنيه من التداول في جميع أنحاء البلاد، وهي الأوراق الصادرة عام 2023 والأعوام السابقة، اعتباراً من اليوم الخميس.
وأوضح البنك المركزي في بيان أن عملية السحب والاستبدال تستمر لمدة ثلاثة أشهر حتى نهاية يوم العمل في الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، على أن يتم استبدال الأوراق المشمولة بقيمتها الاسمية حصراً عبر إيداعها في الحسابات المصرفية لدى فروع المصارف التجارية العاملة في ولايات كردفان ودارفور.
وأشار البيان إلى أن هذه العملية تأتي استكمالاً للإعلانات السابقة في شأن الاستبدال التدريجي للعملة من فئتي الـ1000 والـ500 جنيه، الذي بدأ في الـ10 من ديسمبر 2024، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تستهدف ولايات كردفان ودارفور التي لم يشملها الاستبدال في المرحلتين السابقتين.
وأكد البيان أن الأوراق النقدية المشمولة بالسحب ستفقد صفة العملة القانونية اعتباراً من الأول من يناير (كانون الثاني) 2027، ولن تكون مبرئة للذمة في سداد الالتزامات أو إجراء المبادلات التجارية.
ودعا البنك المواطنين، خصوصاً في ولايات كردفان ودارفور، إلى المبادرة بإيداع الأوراق المشمولة بالقرار في حساباتهم المصرفية قبل انتهاء المهلة المحددة.
