عقبات تواجه استكمال الطلاب السودانيين دراستهم في دول اللجوء

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) عام 2023 انتقل آلاف الطلاب إلى دول ومدن مختلفة في وقت استمرت محاولات استكمال الدراسة وإجراء الامتحانات في أماكن بديلة، وأقيمت بالفعل امتحانات لطلاب سودانيين خارج البلاد، من بينهم نحو خمسة آلاف طالب لاجئ في تشاد تمكنوا في أغسطس وسبتمبر عام 2025 من أداء امتحانات الشهادة السودانية بعد تعذر إجرائها في ظروف الحرب.

لكن اجتياز الامتحان أو إكمال المقررات لا يعنيان بالضرورة أن الطريق إلى المؤسسة التعليمية التالية أصبح سهلاً، فكل نظام تعليمي يضع شروطه الخاصة في شأن الشهادة والمعادلة والسجل الأكاديمي وعدد المقررات والتوثيق، وأحياناً الإقامة أو جواز السفر. وفي السودان نفسه تشترط إجراءات التحويل بعد السنة الأولى، على سبيل المثال، تقديم تفاصيل الدراسة موثقة، والنجاح في مواد، واستيفاء شروط القبول الخاصة بالمؤسسة والتخصص.

كامل إدريس يطالب بريطانيا بمراجعة قيود تأشيرات الطلاب السودانيين

رغم هجمات المُسيرات.. إقبال طلابي على التقديم للجامعات السودانية في الدمازين

هكذا تصبح الشهادة التي يفترض أن تكون دليلاً على ما أنجزه الطالب، في حاجة إلى سلسلة أخرى من الإثباتات حتى تعترف بها مؤسسة تعليمية في بلد جديد.

سنوات معلقة
قبل الحرب، كان انتقال الطالب من مدرسة إلى أخرى أو من جامعة إلى أخرى مرتبطاً في الغالب بإجراءات إدارية معروفة تتمثل في الشهادة والسجل والدرجات وخطاب من المؤسسة السابقة، ثم تقديم الأوراق إلى المؤسسة الجديدة، لكن النزوح غيَّر هذه المعادلة.

كان الطالب أحمد الشريف البالغ من العمر 16 سنة يخطط لدراسة علوم الكيمياء في إحدى الجامعات السودانية، بعد إكمال المرحلة الثانوية في الخرطوم، لكن عقب اندلاع الحرب اضطر إلى مغادرة البلاد والتوجه إلى مصر حاملاً معه صورة من شهادته الثانوية في وقت بقيت إجراءات أخرى مرتبطة بالشهادة والقبول الجامعي داخل السودان، ليجد نفسه أمام واقع جديد: إكمال الدراسة في بلد آخر يتطلب إثبات ما أنجزه في نظام تعليمي مختلف.

قال أحمد “عندما بدأت البحث عن جامعة أواصل فيها دراستي لم يكن امتلاك الشهادة وحده كافياً، إذ طُلبت مني وثائق عدة لاستكمال إجراءات التصديق والقبول”، وأضاف “لم تكن المشكلة في مستواي الدراسي، وإنما في الوصول إلى الوثائق التي تثبت هذا المستوى، فبعض الإجراءات التي كانت تبدو عادية قبل الحرب أصبحت أكثر صعوبة بعد مغادرتي البلاد، خصوصاً مع الحاجة إلى مراجعة جهات تعليمية ورسمية داخل السودان”، وزاد “لا يعني الانتقال من السودان إلى مصر انتقال الشهادة بالطريقة نفسها، إذ تخضع الشهادات القادمة من نظام تعليمي إلى إجراءات القبول والتصديق المعمول بها في النظام الجديد”.

وبالنسبة إلى أحمد تحولت الفترة التي كان يفترض أن ينتقل خلالها من المدرسة إلى الجامعة إلى مرحلة انتظار وبحث عن الأوراق المطلوبة. وتابع أحمد “لا تعني هذه الحالة بالضرورة أن الشهادة السودانية غير معترف بها، وإنما تكشف عن مشكلة تواجه بعض الطلاب الذين اضطروا إلى مغادرة البلاد، فامتلاك الشهادة شيء، والقدرة على استخدامها في مؤسسة تعليمية خارج السودان شيء آخر”.

إثبات المسار الدراسي
من ناحيته أوضح الباحث التربوي جمال الدين هيثم أن “الحرب لا تؤثر في العملية التعليمية من خلال توقف المدارس والجامعات أو نزوح الطلاب فقط، وإنما تمتد آثارها إلى الجانب الإداري المرتبط بإثبات المسار الدراسي، مما قد يخلق صعوبات أمام الطالب عندما يحاول استكمال تعليمه في بلد آخر”، وتابع هيثم “الوثيقة التعليمية لا تُستخدم بمعزل عن منظومة من الإجراءات، إذ تحتاج المؤسسة التعليمية الجديدة إلى التحقق من الجهة التي أصدرتها، وصحة البيانات الواردة فيها، والمرحلة التي أكملها الطالب، ومدى توافقها مع شروط القبول في النظام التعليمي الجديد”، وبيَّن أن “المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما يغادر الطالب السودان من دون أصول وثائقه، أو عندما يتعذر عليه الوصول إلى المدرسة أو الجهة الرسمية التي يفترض أن تصدر له إفادة أو نسخة موثقة من مستنداته، وفي هذه الحالات، قد لا يكون الطالب فاقداً مؤهله الدراسي، لكنه يواجه صعوبة في إثباته بالصيغة التي تطلبها المؤسسة التي يريد الالتحاق بها.

وواصل الباحث التربوي “لا بد من التمييز بين الاعتراف بالشهادة وبين استكمال إجراءات قبول الطالب، فوجود شهادة معترف بها لا يعني بالضرورة إعفاء صاحبها من تقديم المستندات والتصديقات المطلوبة وفق قوانين الدولة والمؤسسة التعليمية الجديدة”، مشيراً إلى أن “التعامل مع الطلاب المتأثرين بالحرب يحتاج إلى إجراءات مرنة وواضحة، تسمح بالتحقق من المسار الدراسي بوسائل بديلة عندما يتعذر الوصول إلى الوثائق الأصلية، من دون الإخلال بمعايير التحقق الأكاديمي”، وأكد أن “الطالب ينبغي ألا يتحمل وحده تبعات فقدان وثيقة أو تعذر الوصول إليها بسبب ظروف الحرب، إذ إن وجود آليات للتحقق الإلكتروني، أو الإفادات البديلة، أو التواصل المباشر بين المؤسسات التعليمية، يمكن أن يساعدا في تقليل التأخير ويحافظا على حق الطلاب في مواصلة تعليمهم”.

تقليل الوقت
لا تنتهي مشكلة الطالب عند عبور الحدود، فقد يجد نفسه أمام نظام تعليمي مختلف، ومقررات لا تتطابق بالضرورة مع ما درسه، ما يجعل انتقاله إلى المستوى نفسه أمراً غير مضمون.

في السياق أشار الأكاديمي صديق الفايز إلى أن “انتقال الطالب بين مؤسستين تعليميتين لا يعني بالضرورة انتقاله إلى المستوى الدراسي نفسه، حتى إذا كان قد اجتاز المقررات المطلوبة في جامعته السابقة، لأن تقييم الدراسة السابقة يخضع للنظام الأكاديمي للمؤسسة التي يرغب في الالتحاق بها”، وتابع “الجامعات تنظر عادة إلى السجل الأكاديمي، وعدد الساعات التي درسها الطالب، ومحتوى المقررات، ومدى توافقها مع الخطة الدراسية للبرنامج الجديد، لذلك قد يعادل بعض المقررات، بينما يحتاج الطالب إلى دراسة مقررات أخرى من جديد”، ونوَّه بأن “توصيف المقررات يمثل عنصراً مهماً في هذه العملية، لأنه يوضح محتوى المادة وعدد ساعاتها ومتطلباتها، ويساعد الجامعة الجديدة على تحديد مدى تطابقها مع مقرراتها الدراسية”، وأكد أن “ظروف الحرب تزيد صعوبة هذه العملية، خصوصاً عندما يتعذر على الطالب الحصول على سجله الأكاديمي أو توصيف مقرراته من جامعته السابقة، عندها لا تكون المشكلة في اختلاف النظامين فقط، وإنما في قدرة الطالب على تقديم المستندات التي تسمح للجامعة بإجراء التقييم”، ورأى الأكاديمي أن “قرار معادلة المقررات وتحديد المستوى الدراسي يظلان من اختصاص المؤسسة التعليمية وفق لوائحها، لذلك قد تختلف النتيجة من جامعة إلى أخرى، إضافة إلى أن توفير قنوات مباشرة بين الجامعات السودانية والمؤسسات التعليمية في الدول التي تستقبل الطلاب يمكن أن يساعد في التحقق من السجلات وتقليل الوقت والتكاليف، خصوصاً للطلاب الذين أجبرتهم الحرب على تغيير مكان دراستهم”.

امتحان واعتراف
قد ينجح الطالب في أداء امتحاناته على رغم الحرب، لكن الحصول على الشهادة لا يعني بالضرورة انتهاء رحلته، إذ تبدأ بعدها إجراءات الاعتراف بها والقبول في مؤسسة تعليمية جديدة.

في تشاد أدى نحو 5000 طالب سوداني لاجئ امتحانات الشهادة السودانية في سبعة مراكز خلال أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) عام 2025، بعد تعذر أدائها في موعدها بسبب الحرب، لكن أمام هؤلاء الطلاب مرحلة أخرى تتعلق باستخدام شهاداتهم خارج السودان، وما تتطلبه من تصديقات وإجراءات قبول تختلف من دولة إلى أخرى، وهكذا يصبح الطالب أمام مساري التعليم وإثبات ما أكمله.

الصادق موسى، وهو مسؤول قبول في جامعة حكومية، قال “قبول الشهادة الصادرة من دولة أخرى لا يعتمد على الوثيقة وحدها، وإنما يرتبط بمجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى التحقق من صحتها ومدى استيفائها شروط القبول في المؤسسة”، وتابع موسى “الطالب القادم من السودان قد يُطلب منه تقديم أصل الشهادة، والتصديقات المطلوبة، إلى جانب مستندات أخرى تختلف بحسب المرحلة الدراسية والبرنامج والجهة التي يتقدم إليها، وفي بعض الحالات تحتاج المؤسسة إلى مخاطبة الجهات التعليمية المتخصصة للتحقق من الشهادة أو استكمال إجراءات المعادلة”، ولفت إلى أن “الطلاب الذين أكملوا امتحاناتهم خارج السودان بسبب الحرب قد يواجهون صعوبة إضافية إذا تعذر عليهم استكمال بعض المستندات الأصلية أو التصديقات، وهذا لا يعني بالضرورة عدم قبول شهاداتهم، وإنما قد يؤدي إلى تأخير الإجراءات إلى حين استيفاء المتطلبات، فالفرق مهم بين التحقق من صحة الشهادة وبين معادلتها أو قبولها، فكل إجراء له متطلبات محددة، وقد تختلف من دولة إلى أخرى ومن مؤسسة إلى أخرى”، وخلص إلى أن “توفير آليات إلكترونية للتحقق من الشهادات والتواصل المباشر بين المؤسسات التعليمية يمكن أن يساعدا الطلاب المتأثرين بالحرب، ويقللا الوقت والتكاليف التي قد يتحملونها للحصول على الوثائق والتصديقات، كذلك فإن وضوح الإجراءات منذ البداية يساعد الطالب على معرفة المستندات المطلوبة وتجنب التأخير، خصوصاً عندما يكون قد أكمل دراسته أو امتحاناته في ظروف استثنائية”.

Exit mobile version