مطار بورتسودان الدولي .. ملحمة تشغيلية في زمن الإجلاء

عندما اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023 خرج مطار الخرطوم الدولي عن الخدمة بفعل المعارك و الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.
و في تلك اللحظة لم يكن السودان أمام أزمة أمنية فقط بل أمام تحدٍ جوي وتشغيلي كبير تمثل في فقدان مطاره الرئيسي وتحول حركة الطيران إلى مطار بورتسودان الدولي.
و في خضم تلك الظروف الاستثنائية برز مطار بورتسودان كأهم بوابة جوية عاملة في البلاد.
و استقبل المطار حركة جوية كثيفة شملت طائرات إجلاء تابعة لعدد من الدول التي سارعت إلى نقل رعاياها و دبلوماسييها من السودان.

و لم تكن مهمة المطار مجرد استقبال و إقلاع الطائرات. فقد كانت عمليات الإجلاء تتطلب منظومة تشغيلية متكاملة تبدأ من تنسيق الحركة الجوية و تأمين مواعيد الهبوط و الإقلاع و تمتد إلى خدمات المطارات و المناولة الأرضية و الأمتعة و خدمات الركاب والتنسيق الأمني والفني والجوازات والجمارك وغيرها من حلقات سلسلة التشغيل.

العمل تحت الضغط.. و الليل يتحول إلى نهار :
في تلك الأيام الاستثنائية وجد العاملون في مطار بورتسودان أنفسهم أمام مسؤولية تاريخية.
ارتفاع الحركة الجوية المفاجئ و تعدد الرحلات و الجهات المنفذة لعمليات الإجلاء فرض على العاملين مضاعفة الجهد والعمل لساعات طويلة و في ظروف بالغة الصعوبة.

السفير التركي لدى السودان يباشر مهامه من بورتسودان
كان العاملون يواصلون الليل بالنهار لضمان استمرار العمليات وعدم تعطل حركة الطائرات.
و بينما كانت أنظار العالم تتجه إلى عمليات الإجلاء وما يرافقها من تطورات سياسية وأمنية كان هناك في الجانب الآخر من المشهد فريق تشغيلي يعمل بعيداً عن الأضواء لضمان أن تصل الطائرات و تغادر في مواعيدها و أن تستمر المنظومة الجوية في أداء مهامها.
لقد أثبتت تلك المرحلة أن تشغيل المطار ليس مجرد إجراءات روتينية بل منظومة متكاملة تعتمد على جاهزية العنصر البشري و قدرته على التعامل مع الظروف الطارئة و اتخاذ القرار و العمل تحت ضغط الوقت.

بورتسودان.. بوابة السودان في زمن الحرب :
أهمية مطار بورتسودان خلال تلك الفترة تجاوزت مسألة كونه بديلاً مؤقتاً لمطار الخرطوم. فقد أصبح شرياناً جوياً رئيسياً للسودان وبوابة لعمليات الإجلاء ونقطة اتصال بين البلاد والعالم الخارجي.

و مع توقف مطار الخرطوم أصبحت قدرة بورتسودان على المحافظة على التشغيل ذات أهمية استراتيجية للدولة و للقطاع الجوي بأكمله. فكل رحلة إجلاء كانت تحتاج إلى منظومة من العاملين و الخدمات و الإجراءات حتى تكتمل بصورة آمنة ومنظمة.
و هنا تظهر القيمة الحقيقية للأداء التشغيلي الذي قدمه العاملون في المطار.
فقد تمكنت المنظومة من التعامل مع ضغط استثنائي في وقت قصير وتحويل مطار لم يكن مهيأً لتحمل كامل عبء الحركة الجوية التي كان يؤديها مطار الخرطوم إلى مركز رئيسي للعمليات الجوية الإنسانية والإجلاء.

أبطال خلف الكواليس :
قد تكون صور الطائرات وهي تهبط وتقلع هي المشهد الأكثر وضوحاً في عمليات الإجلاء لكن خلف كل طائرة كانت هناك مجموعة من العاملين الذين لا تظهر أسماؤهم أمام الكاميرات.
موظفو الحركة الجوية والمناولة والأمن والجوازات والجمارك و العمليات الفنية و خدمات الركاب وا لصيانة و بقية الإدارات كانوا جميعاً جزءاً من هذه المهمة.

لقد عمل هؤلاء في ظروف استثنائية وبإمكانات محدودة وضغط متواصل لكنهم حافظوا على استمرار التشغيل و أدوا واجبهم المهني في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً التي مر بها قطاع الطيران المدني السوداني.
و من هنا فإن الحديث عن عمليات الإجلاء في السودان لا ينبغي أن يقتصر على أعداد الأشخاص الذين تم نقلهم أو أسماء الدول التي نفذت رحلاتها.
فهناك قصة أخرى تستحق التوثيق : قصة منظومة تشغيلية سودانية وقفت خلف تلك الرحلات و وفرت لها البيئة اللازمة للهبوط و الإقلاع و الاستمرار.

مطار الخرطوم يعود إلى خارطة الشحن الجوي
لقد أثبتت تجربة مطار بورتسودان أن العنصر البشري يظل أحد أهم أصول منظومة الطيران. فالمطارات لا تعمل بالمباني والمدارج فقط وإنما بالكوادر التي تعرف كيف تدير الأزمات وتحافظ على التشغيل عندما تتغير الظروف بصورة مفاجئة.

و إذا كانت الحرب قد فرضت على السودان واقعاً جوياً جديداً فإن أداء مطار بورتسودان خلال عمليات الإجلاء قدم نموذجاً مهماً في القدرة على الاستجابة للطوارئ واستمرارية العمليات.
لكن الأسئلة التي يجب ألا تضيع وسط صور الطائرات و عمليات الإجلاء هي :
من كان يقف خلف هذا الإنجاز؟
من شغّل المطار عندما توقفت بوابة السودان الرئيسية؟
ومن ظل في موقعه عندما كانت البلاد تعيش واحدة من أخطر مراحلها؟
و من واصل العمل لساعات طويلة حتى تهبط طائرة الإجلاء و تغادر بأمان؟

إنهم العاملون في مطار بورتسودان .. هؤلاء لم يكونوا مجرد موظفين يؤدون وردياتهم اليومية. كانوا جزءاً من خط الدفاع الأول عن استمرار الطيران المدني السوداني. تحملوا ضغط التشغيل وواجهوا ظروف الحرب وواصلوا العمل بينما كانت البلاد تعيش واحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث.
و لهذا فإن توثيق هذه المرحلة ليس مجرد إشادة معنوية بل هو اعتراف بدور منظومة تشغيلية سودانية أسهمت في إبقاء البلاد متصلة بالعالم.

فلا يجوز أن نتذكر الطائرة وننسى من شغّل المطار. ولا أن نحتفي بنتائج عمليات الإجلاء ونغفل الذين صنعوا نجاحها خلف الكواليس.
بورتسودان لم يكن مجرد مطار بديل.. كان مؤسسة صمدت. والعاملون فيه لم يكونوا مجرد موظفين.. كانوا رجالاً ونساءً حملوا مسؤولية و طن كامل على أكتافهم.
و هذه شهادة للتاريخ يجب ألا تُمحى:
عندما توقفت بوابة السودان الرئيسية .. وقف العاملون في بورتسودان و قالوا إن الطيران لن يتوقف .

طيران بلدنا

Exit mobile version